عن إدارة بايدن وأزمات الشرق الأوسط.. دراسة

أرشيفية

المراقب: وحدة الدراسات

ليس سرا القول أنه مع وصول الرئيس بايدن إلى سدة البيت الأبيض، بدأت رحلة مثيرة في العلاقات مع الشرق الأوسط، لاسيما الدول الكبرى والرئيسية فيه، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، حيث كان قد أطلق تصريحات لا تتسق وعمق العلاقات التاريخية بين واشنطن والرياض، الأمر الذي دعا الكثير من المراقبين السياسيين ، أميركيين وعرب للإنتباه لقادم الأيام، سيما بعد أن أعتقد البعض أن الوقت قد حان لإنسحاب أميركي من الشرق الأوسط، مشابه جدا لما جرى في أفغانستان، وبالفعل فقد قامت واشنطن بسحب عدد من بطاريات صواريخ باتريوت من المنطقة، حيث الحلفاء التاريخيين الموثوقين، وتم نقلها إلى مناطق أخرى، الأمر الذي أعتبر عربون ” فك الإرتباط” إن جاز القول .
غير أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المملكة العربية السعودية والحفاوة التي تمت مقابلته بها ، مقارنة بالأستقبال شبه الفاتر إن لم يكن الفاتر لبادين في يوليو تموز من العام نفسه، دعت الأميركيين للتفكير في تراجع حضورهم شرق أوسطيا وخليجيا، مع التبعات والخسائر الإستراتيجية المترتبة على تراجع النفوذ الأميركي ، وتصدر الصين للمشهد .
حاول بايدن في قمة يوليو تموز2022 والتي حضرها عدد وافر من الزعماء والروؤساء العرب، أن يطمئن حكام المنطقة بأن:” أميركا لن تنسحب من الشرق الأوسط ولن تترك فراغا تلمؤه الصين أو روسيا أو إيران “، غير أن التصريحات الرسمية من بايدن، غالبا لم تمثل يقينا كاملا وشاملا لسكان العالم العربي، سيما في ظل سعي بايدن لإحياء المسار النووي مع إيران .
يكتب الباحث المتميز “مايكل يونغ “، من معهد كارنيجي في 16 ديسمبر 2022،تحت عنوان ” ينبغي صياغة النقاشات الكثيرة حول الإنسحاب الأميركي من الشرق الأوسط ” يقول :” لدى بادين خلال السنتين المتبقيتين من ولايته ، فرصة لبلورة استراتيجية خاصة بمنطقة الشرق الأوسطمن شأنها إقناع شركائه الإقليميين أن الولايات المتحدة قادرة على تلبية أحتياجاتهم .
غير أنه فيما تضم إستراتيجية الأمن القومي الأميركي التي تعتمدها هذه الإدارة مجموعة من الأفكار الجيدة، إلا أن عددا كبيرا منها سيسترعي تفكيرا مطولا من حلفاء واشنطن . فالولايات المتحدة تتعهد بتقليل اعتمادها على ” السياسات الموجهة عسكريا “، لكنها تضع لاحقا أهدافا تدفع إلى التشكيك في هذا الإلتزام ، بما فيها مساعدة الدول في الدفاع عن نفسها في وجه أي تهديد خارجي أو التعبير عن استعدادها ” لغستخدام وسائل أخرى” في حال فشلت الدبلوماسية مع إيران من حيازة سلاح نووي .
الآن وبعد مرور ثلاثة أعوام من زمن إدارة بايدن، ما رأته الدول العربية من هذه الوثيقة التي صدرت أكتوبر تشرين أول 2022، كأول وثيقة للأمن القومي الأميركي في عهد بادين، لم يتجاوز مرحلة المراوغة ، والوعود الفضفاضة للغاية ، وأحيانا المتضاربة بحيث بات من الصعب معرفة شكل السياسات الأميركية، وبخاصة في أوقات ضبابية يمر بها العالم برمته، وسط ملفات عميقة مفتوحة الجراح في أوكرانيا، وخلافات مع أوروبا، ومع الأخذ في عين الأعتبار ،وجود الدب الروسي متيقظا للغاية لأهداف الناتو التي تقودها أميركا من جهة ، ولصحوة فاعلة وناجزة للتنين الصيني ترتبك خطوط طول وخيوط عرض الدبلوماسية والعسكرية الأميركية معا وفي توقيت واحد .
يعن لنا التساؤل :” هل العلاقات الأميركية الشرق أوسطية، تخضع بالضرورة للتغيرات التي تعتري أوضاع العلاقات الدولية في العقدين الأخيرين بنوع خاص ؟
حتى سقوط الإتحاد السوفيتي في أوائل التسعينات وما جرى لدول أوروبا الشرقية من تفكك وتحلل بعيدا عن القبضة الحديدية لموسكو، كانت الوضعية العالمية يسيرة وسهلة التقسيم بين معسكرين أو فسطاطين.
لم يكن الشرق الأوسط والعالم العربي بدوره بعيدا عن هذا التقسيم، فقد كانت غالبية دوله تنحاز لواشنطن والقليل السائر والدائر في فلك موسكو.
بدت الحقيقة المؤكدة أن قواعد النظام العالمي القديم قد تغيرت، وأن واشنطن هي سيدة العالم بدون منازع، الأمر الذي عبر عنه الرئيس بوش الأب بتعبير” النظام العالمي الجديد”، وإن شئنا الدقة فقد كان ” النظام الأميركي الجديد ” المنفرد بمقدرات العالم .
على أن الحقيقة المؤكدة كذلك، أن هذا النظام لم يقدر له أن يستمر أكثر من ثلاثة عقود وها هي دول العالم تواجه حالة من اللانظام الدولي ، في إنتار بزوغ فجر نظام عالمي أخر، ملامحه ترتسم في الآفاق، عالم من أقطاب متعددة، قد لا يكون بعضها في قوة وقدرة الولايات المتحدة الأميركية عسكريا، غير أن بعضها الأخر قد يمتلك من القدرات الإقتصادية والمالية، ما يفسح المجال لشراكات ولو نسبية اليوم ، ومطلقة غدا، تباعد بين واشنطن ونفوذها الدولي على كافة بقاع وأصقاع العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، والتي يبدو بعضها بدوره ماض في طريق مغاير لما جرت به المقادير من قبل .
وسط السيولة الجيو استراتيجية الحالية ، باتت قطاعات جغرافية عالمية ترفض فكرة القواعد الأميركية للنظام العالمي الجديد، حيث ” مفهوم القوة الخشنة”، هو الأمر الوحيد الذي تؤمن به واشنطن، وتعتبر محاولة تعديله أو تغييره مدخلا للفوضى .
من هنا تتبدى ملامح ومعالم تمرد دولي، ضمنه دول عربية ، تنضوي يوما تلو الأخر تحت تكتلات إقليمية ودولية وازنة، ترى في النظام الدولي القائم وقواعده التي رسمت واشنطن خريطتها ، تجسيدا لفكرة الهيمنة الغربية شبه الأزلية ، وتغليبا لمصالحها على مصالح بقية دول العالم .
هنا يبدو أن حالة التمرد الأممي على واشنطن وفي ثنايها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، إذا أستثنينا إسرائيل، تتصاعد يوما تلو الأخر ، وبخاصة في ظل استعادة روسيا قدرتها العسكرية ، وظهور الصين كمنافس قادر على مشاغبة أميركا على صعيدين، الأول موصول بالقدرة على التجميع والتشبيك الأممي، وهو الأمر الذي نراه في مبادرة الطريق والحزام، حيث تتواجد دول من أوروبا وآسيا وإفريقيا في هذا التجمع، والثاني المقدرة الإقتصادية، حيث بكين مرشحة لان تضحى قاطرة العالم الإقتصادي بنهاية العقد الحالي .
يبدو الشرق الأوسط بدوره نقطة ضعف قادمة للسياسات الأميركية، بل ومرشحة للإرتهان بعوامل عدة منها شعور سكان المنطقة بتراجع الدور الأميركي عالميا، فواشنطن تنكشف إقتصاديا يوما تلو الأخر بسبب ديونها الخارجية والداخلية ، وشروع الكثير من الدول في رفض الاستمرار في الإرتهان بعملة الدولار غير المغطأة والتي يمكن في حال وقوع أزمة مالية عالمية أن تتحول إلى مجرد أوراق مطبوعة للذكرى .

عن سيد العادلى

شاهد أيضاً

للمرة الثانية خلال 10 سنوات.. بوتين يحلّق على متن قاذفة قنابل نووية

متابعات – خارجي حلّق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على متن قاذفة قنابل استراتيجية فوق صوتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Managed by Immediate MSpark