22 مايو 2022 12:33 م

موسكو والطريق لمواجهة عقوبات واشنطن.. تقرير

صورة تعبيرية

المراقب: وحدة الدراسات 

 

يضحى من السذاجة السياسية لو أعتقدنا أن روسيا والتي تتعرض لسلسلة من العقوبات الإقتصادية الأمريكية والأوربية ، لا سيما بعد ضم شبه جزيرة القرم ، لم تتحسب لمثل هذه العقوبات ، وترتب أوراقها لملاقاة الغضب الإقتصادي الساطع القائم والقادم .
في هذا الصدد كان من الطبيعي جدا إعلان وزير المالية الروسي ، أنطون سيلوانوف ،قبل نحو عام ، نية الصندوق السيادي الوطني الروسي ، تصفية كل اصوله من الدولار ، على خلفية تهديد بمواجهة عقوبات أمريكية جديدة .
حدث ذلك العام الماضي خلال المنتدى الإقتصادي في سان بطرسبرغ ، وفي وقت كان الدولار فيه يشكل نحو 35% من اصول هذا الصندوق السيادي الذي توضع فيه خصوصا عائدات بيع النفط في الخارج ، ويومها قال وزير المالية الروسي ، إنه سيتم تبديل أصول الدولار باليورو والذهب ، وكذا باليوان الصيني .
كان التخطيط الروسي ولا يزال أن يمتلك الصندوق السيادي أصولا بنسب متفاوتة لا مكان للدولار فيها ، 40% منها باليورو ، 30% منها باليوان ، 20% منها بالذهب ، 5% منها بالجنيه الإسترليني ، 5% بالين الياباني .
تعلم الروس من التجارب السابقة كيف يبنون إقتصادا قويا بدرجة أو بأخرى ، بحيث يكون في أمان من تقلبات العم سام ، وعقوباته الإقتصادية التي باتت تهدد القاصي والداني دفعة واحدة ، ولهذا جرى الإهتمام بفكرة تعزيز الإنتاج المحلي للإستغناء عن الواردات الأجنبية التي تستهلك العملات الأجنبية .
في هذا الإطار تبدو روسيا أقوى عودا هذه المرة من المرات السابقة ، وبخاصة في ظل عبء دين خارجي منخفض بصورة ملحوظة ، مع رصيد من العملات الأجنبية يصل إلى حد 640 مليار دولار ، وغطاء مالي يعادل حوال 12% من إجمالي الناتج المحلي ، في صورة صندوق الثروة الوطني ، والذي عرف كيف يستفيد أكبر إستفادة من إنتعاش عائدات تصدير النفط والغاز الطبيعي بعد طفرة أسعار النفط الأخيرة .
هل لهذا أستبعدت وكالات عالمية إقتصادية ومنها على سبيل المثال ” ستاندرد آند بورز “، أن يكون هناك تاثير فعال للعقوبات الأمريكية على السندات السيادية الروسية ؟
في كل الأحوال ، لا تبدو تأثيرات العقوبات الأمريكية هذه المرة حال حدوثها كارثية على روسيا ، والتي أستطاعت أن تنوع من صادراتها لا سيما العسكرية منها ، تلك التي باتت تنافس الأسلحة الأمريكية ، وبعضها يتجاوزها لا سيما الصواريخ الحديثة .
عطفا على ذلك باتت روسيا موردا معتمدا ومضمونا للحبوب العالمية ، وفي مقدمها القمح للكثير من بلدان العالم ، وبجانب هذا وذاك تبدو مقدرة روسيا على بناء منظومة من الصناعات حول دول العالم آخذة في المد ، وبنوع متميز المفاعلات النووية ، تلك التي تتكالب عليها دول كثيرة شرق وغرب ، وجميعها يسعى للتكنولوجيا الروسية ، والتي على هامشها تحقق السياسات الروسية غرضا مهما بجانب العوائد المالية الضخمة ، ذلك أنها تملا مربعات نفوذ سياسي تختصم حكما من نظيرتها الأمريكية .
وفي الإستعدادات الروسية للعقوبات الإقتصادية الأمريكية ورقة أخرى لها وزنها ، وتحتاج إلى قراءة مفصلة قائمة بذاتها ، ونعني بها سلاح الغاز ، ذلك القادر على إحداث صدمة كبرى في الأسواق العالمية للطاقة ، وللتاثير على مقدرات الإقتصاد العالمي في زمن التضخم والمخاوف المتفشية من حدوث أزمات مالية عالمية جديدة .
يعرف الروس جيدا كيف يمنحون ، ومتى يمنعون ، الغاز عن أوربا ، ومن الواضح بشكل جلي أن كافة المحاولات الأمريكية التي جرت لإيجاد بديل للغاز الروسي قد أخفقت ، ولدى واشنطن إدراك سياسي أنه في ظل عقوبات أمريكية أو أوربية ، سوف تتوجه أنابيب الغاز الروسي إلى الصين ، ومن قبل أعلنت قطر عن عجزها توفير غاز يكفي أوربا ، سيما وأنها غير مستعدة لوقف ضخ الغاز لعملاءها الدائمين في شرق آسيا .
وتبقى إشكالية الغاز الروسي لأوربا في حاجة إلى إستفاضة كبيرة وقراءة قائمة بذاتها ..ما الذي يتبقى قبل الإنصراف ؟
هل العقوبات الإقتصادية صالحة بالمطلق ؟
هل بدات العقول المفكرة ذات الارتباط الوثيق بمراكز الدراسات حول العالم في تغيير وجهة نظرها لجهة فكرة الشراكة والارتباط عوضا عن العقوبات ؟
يقول ريتشارد هاس وهو من هو في مجال رسم السياسات الخارجية لأمريكا من أيام ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر ، في كتابه الشهير ” العسل والنحل ” الذي تشاركه فيه ميجان اوسوليفان، أستاذة الشؤون الدولية في كلية كيندي بجامعة هارفارد ،ان العقوبات تسفر بصورة شبه دائمة عن صعوبات إقتصادية ،لكن تاثيرها لايكفي غالبا ،أو يعجز عن فرض التغيير السياسي المطلوب في البلد المستهدف.
وبالإضافة لذلك قد تكون العقوبات مكلفة بالنسبة للابرياء ” الذين ليس لهم في العير ولا في النفير ” ،خاصة أكثر الناس فقرا في البلد المستهدف ودوائر الأعمال والمصالح التجارية.
وبالإضافة إلى ذلك فإن العقوبات تثير عادة نتائج غير مقصودة، مثل تقوية النظم المعادية ، وفي ضوء هذه النتائج هناك تسليم متزايد بأن الإعتماد فقط على الأدوات الجزائية مثل العقوبات نادرا ما يمثل إستراتيجية فعالة للسياسة الخارجية ،وقد كان تزايد الوعي بهذا وراء الدعوى لاستكشاف استراتيجيات للسياسة الخارجية ،تتسم بأن الفوارق الدقيقة بينها أكثر ،وأنها وإن تضمنت عنصرا محتملا للعقوبات فانها لا تعتمد عليه كلية في تحقيق أهداف الولايات المتحدة.
تبدو واشنطن أمام تحد حقيقي ، لا سيما إذا تجاوز تاثير العقوبات روسيا ، إلى غيرها من الدول الحليفة والصديقة ، ومع الأخذ بعين الإعتبار ، كيف أن الإقتصاد العالمي برمته قد يضحى في مهب مخاطر عالمية ، الأمر الذي يستدعي إعادة مقاربة ثانية لفكرة العقوبات ، تلك التي تستجلب غضبا عالميا تجاه السياسات الأمريكية ، ما ينفر شعوب العالم من العم سام ، وهو ما تنبه له الكثير من الإنتجلنسيا الأمريكية ، وبخاصة الذين توقفوا طويلا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 أمام إستحقاقات التساؤل المحير المستمر حتى الساعة ..” لماذا يكرهوننا “..فهل وجدت القيادات الأمريكية الجواب أم ليس بعد ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.