16 مايو 2022 8:19 م

دراسة.. إلى أين يمضي سيد الكرملين ؟

بوتين

المراقب : وحدة الدراسات

عشر سنوات عاشها فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين ، في أروقة جهاز الإستخبارات الروسي ، الند لنظيره الأمريكي “سي.آي .أيه “، قبل أن تتوج خبراته بعمله في المانيا من 1985 إلى 1990 ، أي السنوات الخمس التي جرت فيها ما أطلق عليه ” الخطيئة الكبرى “، أي التمهيد لتفتيت الإتحاد السوفيتي وتفكيك أوصاله ، وصولا إلى اللحظة الفاصلة التي تمثلت في إنهيار جدار برلين عام 1989 .

بدأت العودة إلى الداخل الروسي مرة أخرى عام 1990 ، ليجد بوتين جامعة ليننغراد تفتح له أبوابها كمساعد لرئيسها ، وتحديدا للشؤون الخارجية ، ثم تاليا رئيسا لمجلس المدينة الروسية الكبرى .

خلال عام واحد في منصبه لفت بوتين الإنظار ، وبدأت الأضواء تحيط بالكولونيل الشاب ، قليل الكلام ، سريع البديهة ، المفكر بحزم ، والعامل بعزم ، ولهذا تراس منذ يونيو 1991 لجنة العلاقات الخارجية لإدارة المدينة عينها ، وخلال ثلاثة أعوام وجد طريقه لموقع نائب ؤئيس حكومة سان بطرسبورغ مع استمراره بالعمل في تلك للجنة .

كان ولابد من أن ينفتح الطريق سريعا أمام بوتين ، وهذا ما جادت به الأقدار قولا وفعلا ، ففي شهر أغسطس آب منذ عام 1996 ، بلغ بوتين وهو في منتصف الاربعينات من عمره منصب نائب مدير ديوان الرئيس الروسي ، بوريس يلتسين ، وفي مارس 1997 شغل منصب رئيس إدارة الرقابة العامة في الديوان ، ثم اصبح في مايو 1998 نائبا أولا لمدير ديوان الرئيس الروسي .

قدر لبوتين خلال تلك السنوات العصيبة أن يتابع وبأم عينه ، ما كان يجري من جماعة الأوليجاركية الروسية ، وكيف تساعد القوى الإمبرالية التقليدية ، على توجيه الطعنات إلى قلب روسيا ، كان يرصد ويسجل في هدوء يليق برجال العمليات السرية من وراء الكواليس .

بدءا من يوليو 1998 بات وكأن بوتين يحصد المناصب الكبرى ، وفي طريقه للمقعد الرئاسي الوثير ، ففي يوليو 1998 تم تعيين بوتين مديرا لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي ، إلى جانب تعيينه أمينا عاما لمجلس الأمن الفيدرالي الروسي ، وبذلك بدت خارطة روسيا الإتحادية من الناخية الأمنية واضحة كل الوضوح أمام القومي الشاب ، الذي يحاول في سره أن ينهض ببلاده ، ومن غير بروباجندا إعلامية ، بل عبر عمل دؤوب ، وتكوين جماعات من الموالاة ورسم صورة لقادم أيام روسيا ، من غير تهوين أو تهويل .

كان من الطبيعي أن يجد بوتين طريقه إلى رئاسة حكومة روسيا الإتحادية كخطوة قبل أخيرة ، وهو ما جرى بالفعل في مارس من العام 1999 ، ثم في 31 ديسمبر 1999 تولى بوتين رئاسة حكومة روسيا الإتحادية بالوكالة .

جاءت اللحظة المثيرة والحاسمة في 26 مارس من عام 2000 ، حين أنتخب بوتين رئيسا لروسيا الإتحادية، حيث مارس مهمامه في 7 مايو من نفس العام .

أحد الاسئلة الرئيسة في سياق البحث في سيرة ومسيرة بوتين موصول بالقوى الروسية الداخلية التي ساعدته في الصعود السريع على مثل هذا النحو ،ومن وقف وراء الكولونيل الشاب ؟

من الواضح أن الرئيس الروسي يلتسين قد فعل ذلك ، ليس وحده وإنما بموافقة ومباركة من كبار قيادات القوات المسلحة الروسية ، والذي وجدوا لديه أمران واضحان ” الرغبة في إستنقاذ البلاد من الهوة العميقة التي آلت إليها ، والمقدرة على القيام بذلك عبر رؤية واضحة وتخطيط إستراتيجي يسمح له ببلوغ غايته ، وبشكل مؤسساتي منهجي.

ولعل التكوين العلمي للقيصر بوتين ، المتمثل في حيازته على درجة الدكتوراه في العلوم الإقتصادية ، أمر مكنه من التعاطي مع الغرب بصورة خاصة ، عبر خطة الخطوة المتقدمة الواحدة ، فعلى سبيل المثال ، ومنذ ضمه لشبه جزيرة القرم إلى روسيا ، والعقوبات الإقتصادية الأمريكية خاصة والأوربية عامة تتوالى على روسيا ، ومع ذلك تبلغ اليوم إحتياطيات النقد الأجنبي لدى روسيا أكثر من 660 مليار دولار ، عطفا على توقعه عقوبات جديدة بعد الأزمة الأوكرانية، وغالب الظن باتت بلاده جاهزة لها ، حتى وإن تاثرت على المدى القريب والمنظور .

في 2013 وغداة عرض باليه “أزميرالد “، عن قصة الروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوجو ، حضره بوتين وزوجته الروسية “لودميلا “، أعلنا عن إنفصالهما ، وكان السؤال هل إنشغل الرجل عن زوجته بالدولة .

غير أن لودميلا ، وصفت الطلاق بأنه متحضر ، لا سيما وأنهما يعطيان إهتماما كبيرا لإبنتيهما ماريا وكاترينا ، واللتان اشار إليهما بوتين ذات مرة بأنهما مصدر فخر لهما ، ومؤكدا أنه سيظل قريبا من زوجته ولن يسمح لشيئ بالتاثير على مستقبل بناته .
يتقن بوتين الإنجليزية والفرنسية والالمانية عطفا على الاوكرانية والبولندية ، ويفهم جيدا الارمنية ، عطفا على لغته الام الروسية ، ولهذا يسمى الرجل ذو السبع لغات .

هل بوتين هتلر جديد كما يعن للبعض في كثير من الدوائر الغربية تسميته ووصفه بالديكتاتور ؟
غداة ضمه للقرم ، وفي حديث لقناة ” سي . إن .إن “، الأمريكية الإخبارية الشهيرة ، نفى بطريرك السياسة الأمريكية هنري كيسنجر هذا الوصف ، مضفيا ، إن بوتين ليس هتلر ن وأن جل ما يريده هو تحقيق إنجازات لبلاده ، وقد كانت هذه شهادة قوية في صالح سيد الكرملين .

هل ما تقدم يكفي للإجابة عن تساؤل من هو بوتين ؟

أغلب الظن أن جوابا من هذا النوع ، في حاجة ماسة إلى بعض المؤلفات لسبر أغوار القائد الروسي المختلف عليه حتى الساعة ، وإن ظل التساؤل الأكثر إثارة :” إلى أين يمضي بوتين بالعالم ، وهل الأزمة الروسية الأوكرانية الاخيرة ، نقطة مفصلية وعن حق في طريق رسم معالم وملامح عالم جديد ، عالم ما بعد بوتين ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.