23 مايو 2022 1:31 ص

عماد الدين حسين.. بايدن وبن سلمان ولحظة الانتقام

عماد الدين حسين

عجيبة هى الدنيا فى دورانها، تعهد الرئيس الأمريكى جو بايدن فى حملته الانتخابية أن يجعل المملكة العربية السعودية ــ وقادتها ــ منبوذة عقابا لها على مقتل الكاتب الصحفى جمال خاشقجى فى قنصلية بلاده فى إسطنبول فى أكتوبر ٢٠١٨. والآن يسعى بايدن بكل السبل أن يجرى مكالمة مع ولى العهد السعودى محمد بن سلمان دون جدوى.
فحوى العبارة السابقة ليس كلامى أو استنتاجى، ولكنه جاء فى سياق تعليقات كثيرة على تقرير مهم نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، قبل أقل من أسبوعين خلاصته أن إدارة الرئيس الأمريكى حاولت كثيرا ترتيب مكالمة تليفونية بينه وبين ولى العهد السعودى، وولى العهد الإماراتى محمد بن زايد لكنها لم تتمكن من ذلك.
نعرف أن بايدن اتصل بغالبية قادة المنطقة أو التقى بهم بعد فوزه بالانتخابات على دونالد ترامب فى نوفمبر قبل الماضى، لكنه لم يتصل بولى العهد السعودى أو الإماراتى، بل اتصل فقط مع الملك سلمان بن عبدالعزيز.
خلال حملته الانتخابية تحدث بايدن بصورة سيئة جدا عن محمد بن سلمان، وقبل أسابيع من اندلاع الأزمة الأوكرانية، وحينما كانت أسعار النفط تسجل ارتفاعات متتالية قال بايدن: «هناك أشخاص يحاولون أن يرفعوا أسعار النفط حتى يجبرونا على الحديث معهم، ولن نفعل ذلك!».
حينما قال بايدن ذلك كانت أسعار النفط تحت حاجز المائة دولار، ومع دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا، ومع فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على روسيا قفزت أسعار البترول لتلامس حاجز الـ140 دولارا للبرميل مقتربة من أعلى سعر تم تسجيله على الإطلاق وهو ١٤٧ دولارا فى عام ١٩٨٢.
المطلب الرئيس الأمريكى من السعودية والإمارات ليس هو إجراء المكالمة التليفونية بل ضرورة ضخ المزيد من الإنتاج النفطى فى السوق العالمية حتى تبدأ الأسعار فى الهبوط وبالتالى يتوقف الغضب الشعبى الأمريكى والأوروبى من ارتفاع الأسعار الذى صار يمثل مشكلة كبيرة للحكومات خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس.
كانت إدارة بايدن تعتقد أنها بمجرد أن تطلب من الخليج ضرورة زيادة الإنتاج فإن الاستجابة ستكون فورية، لكن الذى حدث كان عكس ذلك تماما.
فالسعودية أعلنت خلال الأيام الماضية أكثر من مرة أنها لن تكون مسئولة عن نقص الإمدادات فى سوق النفط، إذا استمر تجاهل المجتمع للهجمات الحوثية المدعومة إيرانيا على المنشآت النفطية السعودية وآخرها يوم الخميس الماضى على منشآت شركة آرامكو ومواقع أخرى كثيرة.
التهديد السعودى أدى إلى استمرار تحليق أسعار النفط قرب مستوى ١٢٠ دولارا للبرميل، وهو الأمر الذى صب فى دعم الموقف الروسى بصورة غير مباشرة، لأن انخفاض أسعار النفط والغاز سيكون خبرا سيئا للرئيس الروسى فلاديمير بوتين ليس فقط، لأنه سيقلل من الإيرادات الروسية، ولكنه سيوقف الضغط الشعبى الغربى على حكومات بلادهم.
صحيفة ذا هيل الأمريكية قالت قبل أيام إن الموقف السعودى الأخير يدعم روسيا فى تحالف «أوبك +» وخاطبت الصحيفة المواطن الأمريكى والغربى قائلة: «إذا كنت تتابع مجريات الحرب فى أوكرانيا من خلال أجهزة التليفزيون فقط، فأنت لا ترى كامل الصورة. وبالتالى فعلى هذا المواطن أن يدرك أن كل شىء فى الأزمة الأوكرانية يتعلق بالطاقة وأن الغرب يسعى بكل الطرق الآن أن ينهى أو يقلص من إدمان الاقتصادات الغربية للنفط والغاز الروسى عبر منتجين آخرين مثل قطر والجزائر ودول شرق البحر المتوسط.
كبار المسئولين الأمريكيين حذروا بايدن بأن تجاهل الزعيم الفعلى لأكبر بلد مصدرة للنفط أى محمد بن سلمان يهدد السياسة الخارجية الأمريكية، ولذلك قرر بايدن على مضض أن يتصل بـ«بن سلمان»، وكانت المفاجأة أن الأخير لا يرد. بل إن محرر فصلية «ذا اتلانتيك» حينما سأل محمد بن سلمان فى حواره المهم قبل أسابيع عما إذا كان بايدن قد أساء فهمه رد بقوله: «بكل بساطة أنا غير مهتم».
السياسة متقلبة ولا أمان لها، لكن هل معنى كل ما سبق أن التحالف السعودى الخليجى الأمريكى انتهى تماما، وأن السعودية ستتعامل مع الصين باليوان وليس بالدولار»؟
الإجابة أنه علينا ألا نجزم بشىء، لأنه إذا حققت الولايات المتحدة ما تريده السعودية خصوصا فى الملف الإيرانى والمساعدة فى وقف هجمات الحوثيين يعود كل شىء لسابقه أو على الأقل يستمر الموقف معلقا حتى رحيل إدارة جو بايدن.
___________________
نقلا عن الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.