22 مايو 2022 1:18 م

أثر الفراشة في الحوار.. تقرير

كتب : إميل أمين

 

ولد الأب نعمة صليبا في لبنان المتعدد الثقافات عام 1974، وهو ذات العام الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية اللبنانية. ونظرًا إلى أنه عاش سنوات تكوينه شاهدًا على الصراع الديني والسياسي المحتدم، فإنه مصمم اليوم على تعليم الشباب مكافحة استخدام الدين لتسويغ العنف.

 

وقال الأب نعمة واصفًا سعيه إلى نشر ثقافة الترابط بين أتباع الأديان: “إنني أسعى إلى تحصين مجتمعي، ومجتمعي لا يعني لبنان وحسب، بل إنه يشمل الدول العربية كافَّة، لأن هذه الدول تعاني من الأمراض ذاتها”.

 

و«الأمراض» التي يتحدث عنها هي صراعات لها بُعد ديني يؤججها أمثال تنظيم “داعش”، الذي يسعى الأب نعمة إلى تحذير الشباب منه ومن التأثر بأفكاره.

 

وفي طفولته، لم يتأثر الأب نعمة بالخطاب المثير للانقسام في المجتمعات الإسلامية والمسيحية في لبنان، بل إنه صُدم من الطريقة البشعة التي شوَّه بها الآخرون التقاليد الدينية المتنوعة، وقال: “أنا لم أؤمن قطُّ بشيطنة المسلمين، لأني عشت معهم وخبِرتهم من قُرب”.

 

وقد زاد الاجتماع الأول مع سيادة المطران جورج خضر من اهتمام الأب نعمة بمعرفة المزيد عن كيفية تحسين ارتباط أتباع التقاليد الإسلامية والمسيحية ببعضهم بعضًا، كما أن هذا الاجتماع أثار شغفه بالعمل على تعزيز التعايش السلمي وبخاصة بين الشباب.

 

ونتيجة لعمله فيما مضى مع حركة الشباب الأرثوذكسية، فهو يتفهم العديد من التحيزات التي يتعامل معها الشباب اللبناني وكذلك كيف يمكن لهذه التصورات السابقة أن تؤجج المعارك بسرعة بين المسيحيين والمسلمين. واليوم، يتواصل الأب نعمة مع قادة المستقبل في لبنان -وهم الطلاب في الجامعات المحلية- ويدعوهم إلى تجاوز الصور النمطية والصراعات.

 

وفي أثناء مشاركة الأب نعمة في برنامج كايسيد للزمالة الدولية عام 2018، أطلق رفقة 15 زميلًا آخرين من مختلِف البلدان العربية منتدى شباب المنطقة العربية للحوار بين أتباع الأديان والثقافات. (AYFIID)

 

وقال الأب نعمة: “إن ورشاتنا لا تهتم بإلقاء المحاضرات أو كتابة الكتب أو سرد القصص، بل هي تُعنى باكتشاف الذات. وإن الحوار لا يتعلق بتبادل المعلومات وحسب، بل إنه يتمحور حول مشاركة جزء من ذاتك وخبراتك”.

 

وكانت ورشات الأب نعمة قد استقبلت المشاركين الجامعيين من الطوائف الإسلامية الرئيسة والتقاليد المسيحية، وأحد الأمثلة للنهج التجريبي هو تشجيع المشاركين على تخيل أنفسهم وهم يحيَون حياة الآخرين المختلفين عنهم.

 

وأضاف صليبا قائلًا: “إن الحوار يتعلق بالمشاركة والتعاطف مع الآخرين. ولهذا، فإنك عبر أخذ شيء يخصك وإعطائه لأشخاص آخرين وتلقي الشيء عينَه منهم، تنفتح على تجارب الآخرين وتشاركهم تجاربك الخاصة. وإذا استطعت مشاركة منظور ما، فهذه هي الخطوة الأولى للتمكن من مشاركة قيمك مع الآخرين”.

 

ويؤمن الأب نعمة بأن هذا النهج في الحوار سيساعد الشباب على تغيير حياتهم إلى الأفضل، وذلك انطلاقًا من معالجة مخاوفهم بالوسائل السلمية بدلًا من العنف وتزويدهم بالمهارات اللازمة لتصميم حلولهم الخاصة للمشكلات التي يواجهونها في مجتمعاتهم المحلية.

 

ورأى العديد من المشاركين في منتدى شباب المنطقة العربية للحوار بين أتباع الأديان والثقافات أن مشاركتهم تلك كانت مثمرة جدًّا؛ إذ قال بعضهم إن مشاركتهم كانت أول فرصة لهم للالتقاء بأحد أفراد الطائفة الدرزية في حين بيَّن آخرون من الطائفة السنية أن الورشات أتاحت لهم الفرصة الأولى للقاء المسلمين الشيعة، وتشدد الورشات التي ينظمها المنتدى أيضًا على الشمولية والمساواة بين الرجال والنساء ويشارك فيها الذكور والإناث على حد سواء.

 

وتابع الأب نعمة حديثه فقال: “يستخدم الشباب الذين ينضمون إلى ورشاتنا وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسالتهم المتمثلة في خلق التفاهم المشترك ومشاركة الصور والمقاطع المصوَّرة والرؤى مع شبكاتهم الخاصة وإيجاد السلوكيات اللازمة للتغلب على التحيز”.

 

ويرى الأب نعمة أيضًا أن التأثير المبكر للمنتدى هو مجرد نقطة انطلاق لبناء مستقبل أفضل للجيل القادم، وذلك يشمل أطفاله نبيل (15 عامًا) وهدى (13 عامًا) ونايا (9 أعوام). وفيما يخص كايسيد، فقد رأى الأب نعمة أنه خير شريك له ومناصر موثوق به.

 

وقال الأب نعمة مشيدًا بكايسيد: “يُظهر كايسيد الكثير من الاحترام لمبادرات الزملاء والمتطوعين والمشاركين، كما أنه يهتم بمبادراتك الخاصة ويثمن عملك بطريقة لا تفعلها المنظمات الأخرى، وأنا أقدر ذلك حقًّا”.

 

وبشأن حجم طموح الأب نعمة وما يريده من لبنان والعالم، فإن إيمانه بقدرة الحوار على إحداث التغيير ثابت لا يتغير. وإلى جانب ذلك، فهو يرى أنه مع وجود المسيحية القائمة على الحب والإسلام القائم على الرحمة، فإن لبنان لديه أساس متين لإنشاء مجتمعات متماسكة ثقافيًّا والمحافظة على استدامتها.

 

وختم الأب نعمة اللقاء قائلًا: “إن الحوار يشبه حجرًا كريمًا أُطلقه في بحر الحياة، وإني أشاهد هذا الحجر الكريم يصنع دوائر متحدة المركز تنتشر بعيدًا جدًّا”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.