5 ديسمبر 2022 4:20 م

رخا أحمد حسن.. استثمار إسرائيل مشكلاتها السياسية

رخا أحمد حسن

لقد دأبت إسرائيل كلما ألمت بها مشكلة سياسية داخلية، سواء كانت حقيقية، أم مفتعلة لأهداف معينة، على تعظيم استثمارها داخليا وفى الأراضى الفلسطينية المحتلة تحت ستار حماية الأمن الإسرائيلى ودرء المخاطر المحدقة من الفلسطينيين، وإقليميا ودوليا بالعمل على توسيع دوائر العلاقات الإسرائيلية وفتح مجالات جديدة لإثبات أن الأزمة أو المشكلة السياسية لن تؤثر على دور وفعالية الحكومة، وفى نفس الوقت تلتمس الأعذار لعدم قدرتها فى مرحلة المشكلة التى تمر بها على القيام بأى اختراق مؤثر فى عملية السلام، وتطلب من أصدقائها وجيرانها تفهم موقفها إلى أن تجتاز المرحلة التى تمر بها، شأنها فى ذلك شأن المريض أو مدعى مرض يستدر عطف الناس بكل الوسائل ولن يعدم من يتجاوب معه.

عندما بدأ قادة إسرائيل يفكرون فى مرحلة ما بعد الرئيس الأمريكى ترامب وعلاقاته الوثيقة مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، وتحقيقهما بالتعاون بينهما الكثير لإسرائيل باعتراف رسمى أمريكى بالقدس عاصمة لإسرائيل وقطع إدارة ترامب علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، وتبنى الحل الاقتصادى للقضية الفلسطينية تحت مسمى صفقة القرن، وأنه بتولى الديمقراطيين بزعامة بايدن السلطة زادت حملة إزاحة نتنياهو عن رئاسة الحكومة فى صراع سياسى واضح بين نتنياهو ومعارضيه تطلب إعادة إجراء الانتخابات أربع مرات، قدم نتنياهو خلالها للمحاكمة على تهم بالفساد والرشوة وخيانة الأمانة. وانتهى الأمر بإزاحته لاعتبارين أولهما طول فترة تولية رئاسة الحكومة ما جعله يمارس سلطات واسعة مستغلا خبراته وأغلبيته فى الكنيست وأنه آن الأوان لرحيله أيا كانت النتائج. وثانيهما أن علاقات نتنياهو طوال فترة رئاسة الرئيس الأمريكى أوباما ونائبه بايدن، اتسمت بالتوتر والمشاحنات سواء بالنسبة لحل الدولتين أو المستوطنات وحقوق الفلسطينيين فى الأراضى المحتلة، وأن بقاء نتنياهو قد يجدد هذا التوتر والمشاحنات مع الرئيس بايدن.

وبناء عليه تم تشكيل حكومة ائتلافية من ثمانية أحزاب متناقضة فى توجهاتها السياسية ما بين اليمين المتطرف ممثلا فى حزب يمينا بزعامة نفتالى بينت وحزب يمين وسط بزعامة يائير لابيد، وأحزاب يسارية، ولأول مرة القائمة العربية بزعامة منصور عباس ذى الاتجاه الإسلامى. وكانت حكومة هشة لديها أغلبية بسيطة فى الكنيست 61 مقعدا من إجمالى 120 مقعدا.

• • •

منذ البداية أجمعت كل الآراء على أنها حكومة عمرها قصير وتحمل فى تشكيلها عوامل انهيارها. واستنادا إلى هذا الوضع استطاعت حكومة بنيت ــ لابيد، إقناع الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الأوروبية، بل وبعض الدول العربية، بعدم ممارسة ضغوط عليها وعدم مطالبتها بما ادعت أنها لا طاقة لها به، قبل البدء فى مفاوضات حل الدولتين مع الفلسطينيين لأن رئيس الحكومة بنيت لا يعترف بقيام دولة فلسطينية ولا يقبل الدخول، لا هو ولا أى من أعضاء الحكومة، فى مفاوضات سياسية مع السلطة الفلسطينية، ولا يقبل الحد من صلاحيات إسرائيل فى توسيع المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية والقدس الشرقية، واقتحامات الإسرائيليين لباحة المسجد الأقصى. بل أكثر من ذلك فقد استطاعت هذه الحكومة الهشة أن تمنع الرئيس بايدن من تنفيذ ما سبق أن صرح به بافتتاح القنصلية الأمريكية فى القدس الشرقية للتعامل مع الفلسطينيين بديلا للقنصلية السابقة التى تحولت إلى مقر للسفارة الأمريكية فى القدس فى عهد الرئيس ترامب، ومنع إعادة افتتاح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، كما منعته من الاستجابة لمطلب السلطة الفلسطينية برفع اسم منظمة التحرير الفلسطينية من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية. وهذا فى حد ذاته تناقض فى الموقف الأمريكى فكيف يزور وزير الخارجية الأمريكى، ويتوقع زيارة بايدن لرام الله ومقابلة رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس ــ وهو رئيس منظمة تدعى واشنطن أنها إرهابية. وقد حصلت هذه الحكومة الإسرائيلية الهشة على أكبر دعم من الرئيس بايدن، وتوسعت بصورة ملحوظة فى علاقاتها مع الدول العربية التى سبق أن وقعت الاتفاقات الإبراهيمية فى عهد ترامب، كما تحسنت علاقاتها مع تركيا.

ولم تصمد حكومة بنيت ــ لابيد، أكثر من عام واحد، ولكنها حققت خلاله الكثير لإسرائيل لتثبت أنها ليست أقل من حكومة نتنياهو. وقد بدأ انهيارها بإبداء بعض الأعضاء فى الائتلاف الحاكم أنهم لن يصوتوا لصالح الحكومة فى مد السيادة الإسرائيلية إلى المستوطنات فى الضفة الغربية وفى مقدمتهم غيداء زعبى القيادية فى حزب ميرتيس اليسارى وهددت بالانسحاب من الائتلاف. كما مارس نتنياهو ضغوطا على النائبة إيديت سليمان للاستقالة من حزب يمينا الذى يتزعمه نفتالى بنيت، خاصة وأن نتنياهو قد توعد هذه الحكومة منذ تشكيلها بالعمل على إسقاطها والعودة إلى رئاسة الحكومة. كما حدث خلاف داخل الائتلاف الحاكم على إصدار قانون يقضى بعدم تولى من توجه إليه رسميا اتهامات بالرشوة والفساد رئاسة الحكومة، والمقصود به نتنياهو.

وإزاء هذا الوضع المتأزم اتفق زعيما الائتلاف الحاكم بنيت ولابيد على طلب حل الكنيست (البرلمان) والذهاب إلى انتخابات خامسة فى أقل من أربع سنوات. وقد بذلت المعارضة بزعامة نتنياهو وحزب الليكود جهودا كبيرة لمنع حل الكنيست وتشكيل حكومة بديلة من أحزاب المعارضة، وأبدوا لذلك عدة أسباب من أهمها أن الذهاب إلى انتخابات خامسة قد لا يسفر عن نتائج تختلف كثيرا عن نتائج آخر انتخابات بعدم حصول أى حزب على أغلبية مريحة تمكنه من تشكيل حكومة مستقرة ومن ثم سيعود المشهد السابق ولن يكون نتنياهو بعيدا عن السعى لتشكيل حكومة جديدة، وأيضا لأن الانتخابات ستكلف ميزانية الحكومة نحو مليار دولار أمريكى فى ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة. وبالرغم من ذلك انتهى الأمر بالاتفاق على حل الكنيست فى 29 يونيو 2022 وإجراء الانتخابات فى أول نوفمبر 2022 ــ أى تقريبا فى توقيت إجراء انتخابات تجديد نصف أعضاء الكونجرس فى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تولى يائير لابيد رئاسة حكومة تصريف الأعمال خلفا لنفتالى بنيت الذى أعلن أنه لن يترشح فى الانتخابات القادمة، وقد خلفته فى رئاسة حزب يمينا المتطرف إيليت شاكيد، رغم ما تردد عن احتمال انضمامها لحزب آخر فى الانتخابات القادمة، واعتبرت أن اعتزال بنيت للحياة السياسية خسارة كبيرة لإسرائيل.

• • •

أوضح لابيد خلال رئاسته أول اجتماع لحكومة تصريف الأعمال أن الأولوية ستكون للاستقرار، وأن حكومته لن تتردد فى العمل ضد إيران وحماس وحزب الله فى لبنان؛ حيث نها ستتحرك على جميع الجبهات، وأن حكومته ستعمل كما لو لم تكن هناك انتخابات وأشار إلى وجود أزمة فى التعليم وأخرى فى تمويل المستشفيات. وأن جيش الدفاع الإسرائيلى أسقط ثلاث طائرات مسيرة أطلقها حزب الله باتجاه موقع منصة غاز حقل كاريش الواقع فى المنطقة المتنازع عليها بين إسرائيل ولبنان فى البحر المتوسط، وأن حزب الله يمارس أعمالا إرهابية تعرقل المفاوضات بين إسرائيل ولبنان للتوصل إلى اتفاق لتحديد الحدود البحرية بينهما.

كما لوحظ أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى لابيد إلى باريس فى 6 يوليو 2022 أنه تذرع بحساسية وضع الحكومة المستقيلة مما أدى إلى عدم دخولها فى مفاوضات مع السلطة الفلسطينية من أجل حل الدولتين، وأشار إلى أن هذا أمر وارد حدوثه ولكنه ليس على جدول أعمال حكومته الآن، وأن الوزراء الإسرائيليين وفى مقدمتهم وزير الدفاع بينى جانتس، يتصلون باستمرار بنظرائهم فى السلطة الفلسطينية لتصريف أمور كثيرة ولكن دون الدخول فى مفاوضات سياسية.

وقد استبقت الحكومة الإسرائيلية زيارة الرئيس الأمريكى بايدن المنتظرة لإسرائيل منتصف يوليو الحالى واتخذت عدة قرارات تحاول أن تبدو بها أنها متوازنة وهى أبعد ما تكون عن ذلك، بعضها بشأن بناء مساكن جديدة فى المستوطنات الإسرائيلية، وحماية المستوطنين الذين يترددون على مستوطنة فى الضفة الغربية سبق إخلاؤها مع المستوطنات التى أخليت فى غزة، بل وسمح لهم الجنود الإسرائيليين بإقامة معبد يهودى فيها ليكون ذريعة لهم للتردد عليها، وفى نفس الوقت اتخذت إسرائيل عدة إجراءات بتسهيل زيارات أعداد محددة من الفلسطينيين فى الضفة الغربية وغزة أسرهم فى إسرائيل. وقد رد لابيد على انتقاد بناء مساكن جديدة فى المستوطنات بقوله إن إسرائيل لا تخضع لوصاية أحد.

• • •

من الواضح أن كل هذه رسائل مسبقة إلى الرئيس بايدن الذى سيكون فى استقباله فى إسرائيل حكومة تصريف أعمال تقول له بوضوح إنها لا تستطيع اتخاذ أى قرارات أساسية فيما يتعلق بالمفاوضات مع الفلسطينيين وحل الدولتين، وأن الأمر متروك للحكومة الجديدة التى تتشكل بعد الانتخابات وهو أمر لن يتم قبل منتصف شهر ديسمبر 2022 إذا أسفرت الانتخابات عن نتائج تسمح بذلك. ومن ثم فمن غير المنتظر أن تسفر زيارة بايدن لإسرائيل عن أى اختراق يذكر فى عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، بينما ستحظى إسرائيل بكل الدعم والمساندة الأمريكية خاصة فى المجال العسكرى. ومن ثم يتضح أن ضعف الحكومة الإسرائيلية أو قوتها لا يحول بينها وتحقيق أهداف إسرائيل وأطماعها، ولكنه يستخدم لعرقلة عملية السلام وعرقلة إقامة دولة فلسطينية بكل الوسائل.

………………
نقلا عن الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.