28 سبتمبر 2022 11:32 م
أخبار عاجلة

المواجهة الأمريكية – الأوربية مع روسيا إلى أين تمضي ؟

تعبيرية

وحدة الدراسات

 

يبدو وكأن هناك قدر سيزيفي يحمل على تكرار المواجهة مرة جديدة بين روسيا والناتو ، وذلك بعد أن أعتبر نفر لا بأس به من المحللين السياسيين ، بل والمؤرخين ، أن الصراع قد أنتهى ، وحل محله التفاهمات الغربية – الروسية في أوائل تسعينات القرن الماضي .

من أخطا إلى أن وصل الحال بالجانبين إلى تلك النقطة الحرجة ، والكفيلة بتهديد أمن وسلام العالم ؟
يمكن العودة إلى ثلاثة عقود خلت ، حيث يجد الباحث كيف أن المعسكر الغربي برأس حربته الولايات المتحدة الأمريكية قد رفض تقديم العون لروسيا لبناء دولة ديمقراطية حديثة ، وعوضا عن ذلك ، كان الشغل الشاغل ، هو محاولة تفريغ روسيا من قدراتها التاريخية ، وسلبها ما أستطاعوا مقدراتها العسكرية والإقتصادية ، وبإجمالي المشهد تفكيك وربما تفخيخ روسيا مرة وإلى ما شاء الله ، ما ترك مرارة في نفوس أبناء العهد السوفيتي ، لا سيما أولئك الذين كانوا يشغلون مناصب متقدمة في أجهزة الإستخبارات ، وقد كان منهم فلاديمير بوتين ، والذي خبأته الأقدار للصحوة الروسية السلافية المعاصرة إن جاز التعبير .

ولعله من المؤكد أننا لا نستطيع قراءة المواجهة الروسية مع الغرب ، الإ في ضوء الرجوع إلى بعض كتابات حكيم أمريكا المعاصر ، ومستشارها للأمن القومي ، زيجينو بريجنسكي ، وكتابه المثير ” رقعة الشطرنج الكبرى “، فقد وصف ما يجب على أمريكا فعله كي تبقى القطب الأوحد المهيمن على العالم .

غير أن الرياح العولمية جاءت بما لم يتوافق مع شهوات قلب الرغبة الأمريكية في سيادة العالم ، فمنذ ظهور هذا الكتاب وحتى اليوم تغير النظام العالمي بشكل دراماتيكي وتحول من الأحادية القطبية إلى عالم تبدو على محياه تعددية قطبية ، وهو تحول لم يكن ليروق للولايات المتحدة بحال من الأحوال ، فيما الطامة الكبرى التي لم تتحسب لها واشنطن ، تمثلت في قيام تحالف جديد ، لطالما خشي منه الغرب عامة ، بين روسيا والصين .

للوهلة الأولى يبدو الصراع بين روسيا والغرب جيوسياسيا من الدرجة الأولى . فقد وقعت كل بلدان حلف وارسو تقريبا بما فيها دول البلقان تحت نفوذ الغرب . غير أن روسيا لم تسمح بإنضمام أوكرانيا وروسيا البيضاء إلى دائرة النفوذ الغربية . وفي عام 1989 لو كان أحدهم قد صرح في الغرب أنه خلال 25 عاما ستكون روسيا على شفا مواجهة عالمية بسبب أوكرانيا ، والتي كانت حينها غقليما روسيا لم يكن أحد ليصدقه .

هل لنا أن نسأل أين يوجد التناقض الرئيس الذي يقود تدهور العلاقات بين الجانبين ويكاد يصل حد المواجهة العسكرية والحرب الكونية ؟ .

بكلام صريح ، وغير مريح للناتو نقول ، إن القوى الغربية لم تحب ولن تحب يوما ما أن تطفو روسيا على السطح ، أو أن تظهر نوعا من المقاومة الأدبية أول الأمر ، والمادية ثانية ، وبخاصة إذا كانت مقاومة موصولة بسباق التسلح ، وهو ما برعت فيه روسيا في العقدين الأخيرين ، من خلال شبكات صاروخية تقليدية ونووية ، وأسلحة فرط صوتية ، وغواصات غير مأهولة بشريا ، ناهيك عما لا يعلم المرء من أدوات القوة الخشنة للروس .

هناك في المواجهة كذلك جانب جيوسياسي ، فعندما سأل بعض الصحافيين ذات مرة مستشارة ألمانيا السابقة أنجيلا ميركل عن الأشياء التي لا تروق لها في السياسة الروسية أجابت قائلة :” روسيا لا تحترم حقوق الإنسان ، وهناك أيضا صراع القيم “.
والشاهد أنه وبعيدا عن التنظير الإيديولوجي للمواجهة الغربية الروسية ، يبدو المشهد اليوم على الأرض مثيرا للقلق الأممي ، لا سيما بعد التصريح المخيف للرئيس بوتين عن المواجهة الحقيقية التي لم تبدأ بعد ، وكأن كل ما جرى من مواجهات عسكرية حتى الساعة على الأرض في أوكرانيا ، لم يكن سوى مناوشات .

ما دفع بوتين لمثل هذا التصريح هو الرغبة الأمريكية – الأوربية ، في تركيع القيصر بأي ثمن ، بل وبكل ثمن ممكن ، وحتى لا يمضي في تجربته بقوة إلى النهاية تجاه أوكرانيا من جهة ، أو أي من دول شرق أوربا من جهة ثانية .

هنا يبدو الصراع العسكري بين الجانبين مرشحا للتصاعد والتفاقم بشكل غير عقلاني ، يمكن من خلاله للرؤوس الساخنة أن تقع في فخ الحرب الكبرى التي نجح الطرفان خلال الحرب الباردة في الفرار من براثنها .

المتابعون لحقائق المشهد العسكري في أوكرانيا ، يرون تدفقات لأسلحة أمريكية وبريطانية متقدمة ، وعلى الجانب الأخر يدركون كيف أن يد الروس المميتة بات تستخدم أسلحة ذات قوة نيران غير تقليدية ، من صواريخ دقيقة التوجه، فاعلة التاثير تطال شحنات أسلحة الغرب بشكل فوري ومباشر .

جانب أخر من المواجهة تدفع أوربا ثمنه في الحال وستتضاعف الأكلاف في الإستقبال ، موصول بتدفقات الغاز والنفط على مقربة من الخريف ، وقبل الشتاء القارس ، هناك حيث الجنرال الابيض يتهدد الأوربيين ، وفي ظل ركود إقتصادي وتضخم مريرين .

القيصر يتلاعب بأنابيب تدفق الغاز ، الأمر الذي يترك الأوربيين في قلق وحيرة كبيرين ، ويدخل القارة الأوربية برمتها في دوامة من القلاقل الجيوسياسية ، بل والأكثر خطورة في المواجهات الفكرية بين تيار كان وربما لا يزال يؤمن بأن الولايات المتحدة زجت بأوربا في آتون النيران الروسية ، وبقيت هي بعيدا ، فيما يدفع الأوربيون الثمن الفادح من حاضرهم وربما من غدهم ، وقد كان من الأفضل التفكير في التعاون الأوراسي ، عوضا عن التناحر .

روسيا تبدو مقتنعة اليوم بأن أفضل طريق للدفاع هو الهجوم ، ومن هنا يمكن للمرء أن يتفهم جولة وزير الخارجية لافروف الأخيرة في إفريقيا ، في محاولة لملء مربعات نفوذ سياسية ، وقد سبقه بوتين إلى إيران .
هل من خلاصة؟.

يخشى المرء أن يكون الأكثر هولا في الطريق عما قريب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.