27 نوفمبر 2022 3:56 ص
أخبار عاجلة

دراسة.. هل من علاقة بين الاديان وزيادة السكان ؟

 وحدة الدراسات

 

هل من علاقة عضويّة بين خصوبة الشعوب وعمق الانتماء الدينيّ أو العلمانيّ لديها؟ وما علاقة ذلك بقضيّة الديموغرافيا في عالم متحرّك جيو-بولتيكيًّا بل وجيو-إستراتيجيًّا؟

يبدو الربط بين الشأن الدينيّ والقضيّة الديموغرافيّة مثيرًا للشغب العقلي إن جاز التفكير، لا سيّما في عالم تتّسع فيه رقعة التوجّهات العلمانيّة، وتتقلّص فيه مساحة الروحانيّات، حيث الماديّة الاستهلاكيّة قد طغت على العالم من حولنا شرقًا وغربًا.

التساؤل المتقدّم يأخذنا إلى ستّينيّات القرن الماضي والتوقّف أمام علامة الاستفهام التي طرحها المفكّر والمثقّف الفرنسيّ الكبير أندريه مالرو عن القرن الحادي والعشرين وهل سيضحي قرنًا دينيًّا أم لا؟

في ذلك الوقت، كانت تأثيرات العلمانيّة طاغية، وما خَلَّفته الحرب العالميّة الثانية في نفوس الأوربيّين على وجه التحديد؛ قد فقد الكثيرون الرغبة في التمسّك بالطقوس والشعائر الدينيّة.

غير أنّه ومع ثمانينيّات القرن الماضي واحتدام الصراع مع المعسكر السوفيتيّ، عادت فكرة الإيمان لتضحي فاعلة وبقوّة على الصعيد العالميّ، وإن مضت في ثلاثة اتّجاهات تكاد تكون متضاربة.

البداية من الولايات المتحدة الأمريكيّة، هناك حيث تصاعدت وتيرة تيّارات اليمين الدينيّ المحافظ، وامتدّ التصاعد من زمن رونالد ريجان في أوائل الثمانينيّات إلى أوان جورج بوش الابن في مطلع الألفيّة الميلادِيّة الثالثة.

تاليًا: شهد الشرق عاصفةً من الأصوليّات، تلك التي بدأت معاتبة، ثمّ تحوّلت إلى مغاضِبة، ووصلت في نهايات المشهد إلى محاربة، وقد كانت سنوات الغزو السوفيتيّ لأفغانستان منطلَقًا لموجات بدأت بالقاعدة إلى أن وصلتْ إلى داعش ومرورًا بالعديد من الجماعات الإرهابيّة.

ثالثا: ظلّتْ أوربّا تراوح مكانها بين علمانيّة جافّة على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسيّ، ريجيس دوبرييه، في كتابه الشهير “الأنوار التي تُعمِي”،وبين محاولات مضنية على صعيد إحياء الإيمان في نفوس الأوربيّين.

والثابت أنّه لم يكن للمرء أن يوفر العلاقة ما بين فكرة الخصوبة وبين التوجّهات الدينيّة والإيمانيّة ما بين شرقٍ يميل إلى التناسل والكثرة العدديّة، وقارة أوربّا العجوز التي تتناقص فيها معدلات السكّان، أي تتقلّص فيها دينامِيّات الديموغرافيا، بين القارة السمراء التي لا تزال فيها أعداد كبيرة خارج سياق الأديان الإبراهيمِيّة، وبين آسيا الكونفوشيوسيّة والبوذيّة، والتي تكسب الرهان الجغرافيّ والديموغرافيّ حول العالم من خلال عديد سكّانها، والذي يكاد يصل إلى أكثر من نصف سكّان العالم.

هنا، كان لا بدّ للباحثين من التوقّف أمام فكرة العلاقة بين الإيمان وبين الخصوبة، وهل يمكن أن تكون التوجّهات العقائديّة دافعًا في طريق زيادة السكان أو العكس، بمعنى أنّ التحلّل من الرباطات الروحيّة يدفع في طريق النظرة الضيّقة للحياة، وعدم الاعتداد من جديد بمسألة إعمار الأرض.

هنا، لا بدّ أن نعود إلى نظريّة الباحث الديموغرافيّ والاقتصاديّ الإنجليزيّ الشهير روبرت مالتوس، ورؤيته للعلاقة بين السكّان وموارد الأرض؛ فقد رأى أنّ السكّان يتزايدون بمتوالية هندسيّة، في حين أنّ خيرات الأرض تتضاعف بمتوالية عدديّة، الأمر الذي يخلق فجوة كبيرة وهُوّة هائلة ما بين الجانبين، ويجعل مسألة الديموغرافية تعود للطفو من جديد بأبعادها الفكريّة، أيديولوجيّةً كانت أو ديموغرافيّةً.

التساؤل المثير للتفكير حول علاقة الخصوبة بالإيمان، يطرحه البروفيسور الأمريكيّ، فيليب جينكيز، في مؤلَّفه الصادر حديثًا في الولايات المتحدة الأمريكيّة والمعنون: “الخصوبة والإيمان .. ثورة الديموغرافية وتحوّل ديانات العالم”، ويفتح الباب لمناقشة إشكاليّة الزيادة السكانيّة، أو تراجع عدد سكان قارّات بعينها، وفقًا للتوجّهات الروحيّة والمذهبيّة.

مثيرٌ أن يخرج هذا المؤلَّف من قلب الولايات المتّحدة الأمريكيّة؛ ذلك أنّ الجميع يعرف أنّها دولة علمانيّة، لا تُدَرِّس الأديان في مدارسها، ولا يقف الانتماء الدينيّ أبدًا في طريق الحياة المدنيّة، والتفريق بين ما هو لله وما هو لقيصر، يتضح على أشدّه في الدستور الأمريكيّ.

على أنّ المفارقة الحقيقيّة تظهر في كون الولايات المتّحدة دولة علمانيّة الهويّة، لكنّها مغرقة في الهوى الدينيّ، على العكس من أوربّا، تلك التي عُرِفت بتوجّهاتها الدينيّة في القرون الوسطى قبل زمن الثورة الفرنسيّة والفصل بين الدين والدولة.

مؤلّف هذا الكتاب، البروفيسور فيليب جنكينز، أستاذ التاريخ بجامعة بايلور الخاصّة والعريقة، والواقعة بمدينة واكو بولاية تكساس، وهو المدير المشارك لبرنامج بايلور للدراسات التاريخيّة للدين في معهد الدراسات الدينيّة بالجامعة وأستاذ كرسي إدوين إيرل سباركس للعلوم الإنسانيّة بجامعة ولاية بنسلفانيا، وقد عمل طويلاً أستاذًا للتاريخ والدراسات الدينيّة في عدد من الجامعات المرموقة، كما أنّ كتاباته تنشرها كبريات المجلات الأمريكيّة.

ما علاقة الديموغرافيا أو زيادة السكان أو نقص أعدادهم بمسألة التغيّرات الدينيّة حول العالم؟

في مؤلّفه الشيّق، يلفت جينكينز إلى أنّ المجتمعات ذات الخصوبة العالية تميل إلى الحماس الدينيّ الورديّ على حدّ تعبيره، أمّا تلك التي تنخفض فيها معدّلات الخصوبة، ففيها يميل الناس للانفصال عن الدين بشكله المُنظَّم أو المُؤسّسي.

في صفحات كتابه، يرسم جينكينز خريطةً للثورة الديموغرافيّة التي سيطرت على العديد من البلدان حول العالم في العقود الأخيرة، ويستكشف الآثار المترتّبة على التطوّر المستقبليّ لديانات العالم.

يعِنّ لنا أن نتساءل: هل حديث الرجل بالفعل صحيح، ومن مجرد الملاحظة الأوّليّة غير المحققة أو المدقِّقة إحصائِيًّا؟

يبدو أنّ ذلك كذلك بالفعل؛ ففي أفريقيا السمراء، يتزايد مُعدَّل المواليد، وتبدو الأديان في ازدهار على تنوّعها وتعدُّدها.

الأمر نفسُه يمكن ملاحظته في الولايات المتحدة الأمريكيّة، حيث يرتفع معدّل سكّانها وتزداد الصيحات الروحيّة فيها، معتدلةً كانت أو يمينيّة متشدّدةً.

على العكس من ذلك، نرى المشهد الأوربيّ، وهنا يرى جينكينز أنّ علمنة أوربّا قد أثّرت بالسلب على مسألة الزيادة السكانيّة. وهناك دول أوربيّة يكاد يصل معدّل الخصوبة فيها إلى صفر في المائة في الوقت الراهن، الأمر الذي يُمثِّل كارثة سكانيّة لمستقبل القارّة العجوز.

يوضّح جينكينز كيف أنّ المسار الأوربيّ للانخفاض السريع في الخصوبة يؤثّر الآن على جزء كبير من العالم، وهناك آثار مترتّبة على ذلك بشكل واضح، منها تحرّك الطبيعة الدينِيّة للعديد من المناطق غير الأوربّيّة في اتّجاه العلمنة الكاسحة. وهذا قد يعيد تشكيل الولايات المتّحدة الأمريكيّة نفسها.

الخلاصة من الكتاب هي أنّ الثورة الديموغرافيّة ستعيد تشكيل مجالات الأديان التوحيدِيّة ومساقات المذاهب الوضعيّة. وعليه، فإنّه يتوَجّب أن تتكَيّف هذه وتلك مع المواقف التي لم تعد فيها العائلات الكبيرة هي القاعدة؛ إذ سيطوّر كلُّ تقليد دينيّ تأكيدات مميّزة فيما يتعلّق بالأخلاق والجنس، بالإضافة إلى أدوار رجال الدين والعلمانيّين في الهياكل المؤسّسيّة للدين.

وكما هو الحال مع مؤلّفات البروفيسور فيليب جينكينز الأخرى، فإنّه يقدّم الكثير للتفكير فيه، سواءٌ أَتّفقنا معه أو افترَقْنا عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.