27 نوفمبر 2022 4:55 ص
أخبار عاجلة

المؤسسات الأممية في خطر ..كيف ولماذا ؟..دراسة

أرشيفية

وحدة الدراسات

هل المؤسسات الدولية  العالمية في خطر ، وهناك حاجة ما  لتغير شكلها ؟

التساؤل يجيئ في مناسبة انعقاد الجميعة العامة للامم المتحدة  مؤخرا .

والمعروف انه في نهايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، وعبر مؤلفه الشهير :” أمريكا على  مفترق الطرق “،  كتب فرنسيس فوكاياما  ،  المنظر الشهير لفكرة نهاية التاريخ ، قبل أن يتراجع  عنها ، مشيرا إلى  أن المؤسسات الدولية  التي ولدت بعد الحرب العالمية  الثانية ، قد طالتها الشيخوخة ، وربما تجاوزتها  معطيات الزمان، والأمم المتحدة في مقدم تلك المؤسسات ، وربما يرى  البعض اليوم أن نظام بريتون وودز ، والذي قام بضبط وربط شؤون وشجون العالم المعاصر ماليا بدروه بات من مخلفات ما بعد الحرب العالمية  الثانية وزمن الحرب الباردة  ،  وبالقياس نفسه منظمة التجارة العالمية  .

في هذا السياق كذلك يؤخذ في عين الإعتبار أن جميعها قد أخفقت  في نشوء وإرتقاء عالم ديمقراطي ليبرالي فاعل وعادل ، وليس ديمقراطية القوة ، وليبرالية  الراسمالية  المتوحشة  التي سلعت  البشر .

فوكاياما رأى  أن الحل الواقعي لمشكلة  العمل الدولي الذي يكون فعالا وشرعيا  على  السواء ، يكمن في إنشاء مؤسسات جديدة  ، وتكييف المؤسسات الموجودة لتلاءم الظروف الجديدة  ، وأن جدول الأعمال المناسب للسياسة  الخارجية  الأمريكية  هو أن تروج عالما مأهولا بعدد كبير من المؤسسات الدولية  المتداخلة  ، بل وأحيانا المتنافسة  ، وهو ما يمكن أن يدعى  تعدد متعددي الأطراف ، وفي مثل هذا العالم لن تختفي الأمم المتحدة ، ولكنها ستصير واحدة من منظمات متعددة  تحتضن العمل الدولي المشروع والفعال .

على  أنه وفي زمن الفوضى الدامية التي تتعرض لها  القرية الكونية ، لا يمكن لأي باحث مهموم ومحموم بحال العالم ، أن يتجاوز مفكرا  أخرا  درج على مشاغبة  المستقبل وأحاجيه الساكنة  في رحم الغيب بإقتدار .

حين يذكر أسم ” جاك أتالي “،  فإن ذلك يعني أننا  في محضر عالم مستقبليات من الوزن الثقيل ، مشغول من أخمص قدميه وحتى شعر رأسه بحال العالم الذي يعيش فوضى غير مسبوقة في الأونة الأخيرة ، عالم  تتقاطع فيها خطوط السياسة بالإقتصاد ، والعسكرية بالثقافات ،ولهذا يتساءل عمن سيتمكن من تقييم الإمكانيات الهائلة لكل الثقافات ؟.

يؤكد آتالي على أنه يوما ستدرك الإنسانية أن من صالحها التحلق حول حكومة ديمقراطية تتولى آمال وأحلام العالم كله، متجاوزة مصالح أكثر الأمم قوة ومقدرة ، حكومة تحمي من هوس صراع الحضارات ،  وصدام القوميات والأعراق ، والبراغماتية غير المستنيرة  التي تكاد تذهب بكوكب الأرض ومن عليه دفعة واحدة  من جراء قصور نظر البشر ، وتكالبهم على  المنافع المؤقتة  .

ما الذي يبشر به آتالي ، وقد يكون مخرجا مقبولا من الجميع  ، لا سيما في ظل الإنسداد التاريخي الآني ،  وغياب رؤية عولمية  حقيقية  تستنقذ الخليقة من وهدة  السقوط الكبير المنتظر ؟

يبدو أن هناك رابطا  عقليا  بينه وبين فوكاياما ،  وإن إتخذ مسار ما أطلق عليه ،”المؤسسات الديمقراطية  الفائقة “، كطريق لتغيير العالم .

يستشرف آتالي واقعا  للديمقراطية  الفائقة  ، قبل منتصف القرن الحادي والعشرين ، ما يعني أن أمام العالم المعاصر عقد أو عقد ونصف على أقصى تقدير  ، يعيشه في مخاض صعب ،  وقبل أن تتجلى   تلك الديمقراطية  في الواقع  المؤسسي للعالم .

علامة الإستفهام المثيرة للتأمل والتي تجنب آتالي الإقتراب منها :” هل سنصل إلى تلك المرحلة  عبر مقررات ومقدرات سلمية ، أم أنه لا بد من الحرب التي توجع القلب ؟

يرى المفكر والإقتصادي والروائي الفرنسي الكبير ،  أن البشر سيجدون أنفسهم مدفوعين  في طريق التحاور حول إقامة  مؤسسات كونية متناسقة  ،  تسمح للإنسانية  بعدم الإنهيار تحت ضربات الإمبراطورية  الفائقة  ، وتتفادى  دمار الصراع الفائق .

لكن ما هو شكل أو ملامح تلك المؤسسات ، وهل تتسق بدرجة أو بأخرى  مع رؤى  فوكاياما  سابقة الذكر ؟

عند آتالي أنها  ستبزغ من قلب  تراكم المنظمات المحلية  والقومية  والقارية والعالمية ، وسيتساوى  ويؤثر في قلبها  كل إنسان بنفس القدر .

عالم آتالي ، سوف تنشأ فيه على المستوى العالمي مؤسسات جديدة في إستمرارية للموجودة الآن بالفعل ،ستكون قاعدتها  الأمم المتحدة  ، وستعاد صياغة  الميثاق الحالي للأمم المتحدة  وتوسيعه ليصبح دستورا  للكوكب .

يكاد يكون طرح آتالي يوتيوبي ، ورؤية  فوكاياما  قريبة  من الواقع ،  ذلك أن صياغة  دستور واحد لكوكب الأرض ، يعني القفز فوق الأعراق والأديان والمذاهب ، وكافة  أشكال المحاصصات التي عرفتها الإنسانية منذ مئات وربما  آلاف السنين .

غير أن إيمان آتالي بهذا الطرح يثير في نفوسنا الريبة ،  لا سيما  وأن مثل ذلك الوفاق لا  يمكن أن يحدث الإ إذا  ذاقت البشرية مرارة  الفراق ، وخاضت  مرحلة  ولادة جديدة مؤلمة للغاية  بشكل أو بأخر وعبر تحديات بين البشر وبعضهم البعض ، وربما بين الخليقة  كلها من جهة والأم الارض من جهة ثانية ،  وبخاصة بعدما باتت ثائرة إيكولوجيا  ورافضة  لإفتراءات البشر عليها  في القرون الأخيرة  وتحديدا  من عند بدايات الثورة الصناعية في أوربا .

متى تولد  الديمقراطيات الفائقة ؟

الإبحار في عمق أفكار آتالي يخبرنا بان ذلك سيحين ولا شك عقب فوضى إقتصادية ومالية ،  عسكرية وبيئية، ديموغرافية وأخلاقية وسياسية عارمة…هل نحن  قريبون جدا ؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.