27 نوفمبر 2022 4:25 ص
أخبار عاجلة

منظمة بيت الرب بيت حلول الاندماج في السويد

إميل أمين

مع توجه معظم الدول الأوروبية في عام 2015 إلى تشديد الرقابة على حدودها بغية وقف تدفق اللاجئين الفارين من الصراع في الشرق الأوسط، رحب الشعب السويدي ترحيبًا شديدًا بقرار حكومتهم قَبول 163.000 لاجئ جديد.

لكن المواقف تغيرت اليوم؛ إذ حصل الديمقراطيون السويديون اليمينيون المتطرفون على دعم قوي من الناخبين في وقت سابق من هذا الشهر بعد نشر خطة من 30 بند ترمي إلى جعل قوانين الهجرة في البلاد من بين أكثر القوانين تشددًا في الاتحاد الأوروبي ودعا سياسيو الحزب إلى رفض طالبي اللجوء على أساس الدين أو الجنس أو الهُوية الجنسية.

وقال كارل دالبوك، نائب رئيس أبرشية ناكا خارج ستوكهولم: “إن فكرة قدوم الأشخاص من دول أخرى تمثل تهديدًا للبلد، لكن هذا الأمر مثال لما يحدث عندما يغيب التواصل الاجتماعي بين الناس”.

وكان دالبوك قد عمل في الحوار بين أتباع الأديان أكثر من عقدين، ممَّا مكَّن سكان السويد ذوي الأغلبية المسيحية من فتح قلوبهم وأبواب كنائسهم للغرباء.

وفي عام 2003، قبل أزمة اللاجئين بوقت طويل، أقامت أبرشية دالبوك والجمعية الإسلامية المحلية تجمع مشترك بين أتباع الأديان في ملعب كرة القدم المحلي في أثناء الاحتفال بعيد العنصرة (عيد الخمسين) وكان الحدث ناجحًا جدًّا وحفَّز سلسلة من اللقاءات بين أتباع الأديان. ومع تزايد الرغبة في الحوار في المجتمع المحلي، أسس دالبوك في عام 2009 منظمة بيت الرب، وهي مكان يجتمع فيه أتباع الأديان المسلمون والمسيحيون السويديون.

وكان الموقع الذي اختاره دالبوك لمنظمته هو مدينة فيسكسترا بالسويد، التي تضم 8000 شخص من أكثر من 80 دولة متنوعة، وأوضح دالبوك أن هذا المجتمع المحلي يرمز إلى التغير السريع لسكان السويد المتجانسين تاريخيًّا.

وتابع دالبوك قائلًا: “لقد قدم إلى فيسكسترا الكثير من اللاجئين. وعندما اندلعت أزمة عام 2015، قدَّمت أبرشية ناكا وكنائس أخرى المساعدة لهم وفتحت الكثير من العائلات السويدية أبواب بيوتها لاستضافتهم وإيوائهم”.

وأصبحت المنظمة -بالتحديد- منارة مهمة للمسلمين الوافدين حديثًا الباحثين عن ملاذ في ضواحي السويد. وأضاف دالبوك: “وكان من الضروري للمؤمنين المسيحيين الذين لم يلتقوا قطُّ باللاجئين التعرف إليهم، ثم نمت صداقتهم ولا نزال نشهد إلى يومنا هذا علاقات رائعة ومتينة بينهم”.

تغير السكان
مع انخفاض معدلات المواليد، أعاد تدفق اللاجئين كتابة المصير السكاني للسويد. واليوم، بات إجمالي عدد السكان المسلمين في البلاد يبلغ 810.000 مسلم، أو 8% من سكان السويد البالغ عددهم 10 ملايين نسمة. وتظهر التوقعات أن نسبة السكان المسلمين قد تنمو من 11% إلى 31% بحلول عام 2050، اعتمادًا على معدلات الهجرة المستمرة.

ونتيجة لقلة عدد سكان البلاد، أفاد مركز بيو للأبحاث بأن الهجرة كانت ذات تأثير بالغ في التكوين الديني للسويد قياسًا إلى دول أوروبا الغربية الأكبر مساحة والأكثر سكانًا.

وفي فيسكسترا، تظهر علامات تغير السويد واضحة جلية؛ إذ ينقسم أفراد المجتمع المحلي إلى 40% مسلمين و40% مسيحيين و20% غير دينيين.

وبيَّن دالباك أن التحول لم يكن سهلًا؛ إذ يشعر العديد من المهاجرين بالإقصاء والتهميش. وعليه، كان الحوار بين أتباع الأديان أمرًا حيويًّا للحفاظ على السلام داخل المجتمع.

وأردف دالباك قائلًا: “إن العمل الذي نقوم به في فيسكسترا هو بالضبط ما نحتاجه في الضواحي؛ إذ يجتمع مختلِف الشركاء -ومنهم منظمات المجتمع المدني والهيئات الدينية- من أجل بناء مجتمع أفضل قائم على حقوق الإنسان، وإننا نرغب أيضًا في أن يندمج الناس بنجاح حتى يتمكنوا من الإسهام بفاعلية في مجتمعاتهم وعيش حياة هانئة ورغيدة”.

تمكين النساء والشباب
في أجزاء عديدة من السويد، يُعزل اللاجئون ويعيشون في أحياء منخفضة الدخل ويختارون أن يكونوا قريبين من الأسرة والأشخاص الآخرين الذين يتحدثون لغتهم الخاصة في أثناء تنقلهم للعيش في أرض أجنبية، لكن الانفصال غالبًا ما يؤدي إلى عدم الثقة -وفقًا لما قاله دالباك- ويمكن يؤدي بهم سريعًا إلى حافة التمييز وخطاب الكراهية والعنف.

وأضاف دالباك أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عامًا معرضون تحديدًا لخطر الإجرام وتعاطي المخدرات. وفي العام الماضي، زودت بلدية ناكا منظمة بيت الرب بتمويل لبرنامج مصمَّم لمنح الشباب إحساسًا بقيمة وجودهم ومنعهم من الانخراط في صفوف العصابات.

ويتقاضى المشاركون أجورًا مقابل أنشطة خدمة المجتمع التي تنظمها الكنيسة المحلية، مثل التنظيف والبستنة والطلاء وتقديم الطعام ومساعدة المشردين وجمع القمامة. وبجانب ذلك، فإنهم يتلقَّون التوجيه والدعم لإنهاء دراستهم ومتابعة حياتهم المهنية الناجحة.

وقال دالباك متحدثًا عن الغاية من هذه الأنشطة: “لقد أردنا تعليمهم الاعتناء بأنفسهم والنظر في الفرص المتاحة لهم في المستقبل”.

وإذ تتواصل المنظمة مع اللاجئات اللواتي غالبًا ما يُعزلن في المنازل ويُكلفن بتربية الأطفال وأداء الواجبات المنزلية، ممَّا يجعل من الصعب عليهنَّ توسيع علاقاتهنَّ الاجتماعية، يؤمن المكان المخصص فيها لاجتماع أتباع الأديان عقد جلسات حوار للنساء المسلمات وجلسات لحوار أتباع الأديان مع النساء المسيحيات.

وقال دالباك: “إنها فرصة لهنَّ للحوار مع نساء أخريات والتعرف إلى بعضهنَّ بعضًا وتكوين الصداقات وإيجاد الدعم والمعونة”.

شبكة داعمة
وفي حين تلقت منظمة بيت الرب تشجيعًا إيجابيًّا من المجتمع المحلي، واجه موظفوها أيضًا التصاعد العنيف لرُهاب الإسلام وكراهية الأجانب والعنصرية، ولا سيَّما من الجماعات القومية اليمينية.

وإن اكتشاف كيفية تسهيل عمليات الاندماج لمجتمع اللاجئين في السويد وسط حقل ألغام من القضايا السياسية المثيرة للجدل دفع دالباك وفريقه إلى البحث عن النصح والمشورة.

ولقد وجدوا مبتغاهم في شبكة الحوار التي يدعمها كايسيد والتي تجمع معًا المنظمات الدينية -مثل منظمة بيت الرب- والأكاديميين وصانعي السياسات العاملين في مجال الاندماج. ويشمل أعضاء الشبكة وشركاؤها كذلك منظمات لها تاريخ عريق في مجالي مساعدة اللاجئين والحوار، مثل وكالة التنمية والإغاثة السبتية ADRA والهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين JRC ومنظمة أريغاتو الدولية والجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين في أوروبا HIAS Europe ومنظمة الإغاثة الإسلامية والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
وقال دالباك: “إنه من الرائع مقابلة أشخاص آخرين في أوروبا يفعلون ذات الشيء الذي نفعله، وإننا نلهم بعضنا بعضًا للمضي قدمًا ونمنح أنفسنا والآخرين الأمل في الاستمرار”.

وفي وقت سابق من هذا العام، استضافت المنظمة أحد الاجتماعات المنتظمة لشبكة الحوار وورشة تحضيرية للمنتدى الأوروبي للحوار بشأن سياسات اللاجئين والمهاجرين القادم الذي سيعقد في برشلونة في وقت لاحق من هذا العام. وعلى مدار يومين، تناول المشاركون التحديات التي تواجه اللاجئين والمهاجرين والتي تظهر في جميع أنحاء المدن الأوروبية، ومنها تصاعد خطاب الكراهية والتمييز.

وقال دالباك مبينًا أهمية هذه الفعالية: “زارنا العديد من أعضاء شبكة الحوار من بلدان أخرى لحضور الورشة التحضيرية للمنتدى الأوروبي للحوار بشأن سياسات اللاجئين والمهاجرين. وعندما شاركنا في مؤتمرات الشبكة، اكتشفنا عالمًا أكبر من المنظمات الأخرى التي تواجه نفس التحديات التي نواجهها نحن”.

توحيد المجتمعات الدينية في السويد
ولأن البلاد تكافح حاليًّا من أجل تحقيق الاندماج السلس للاجئين والمهاجرين، لدى دالباك خطط طموحة لتوحيد مجتمعات فيسكسترا المتعددة وهو يعمل اليوم على توسيع مقر منظمة بيت الرب بالشراكة مع الجمعية الإسلامية المحلية ليصبح مؤلفًا من ثلاثة أقسام: كنيسة ومسجد وردهة مركزية زجاجية تسمى “ساحة السلام” ستربط كلا القسمين.

ومع أن المشروع قوبل ببعض الشكوك، يأمُل دالباك أنه سيساعد على فتح أعين المجتمع على جمال التنوع.

وقال دالباك: “في بلد علماني مثل السويد، غالبًا ما يخشى الناس مقابلة المؤمنين بديانات أخرى لأن لديهم القليل من المعرفة بالتقاليد المسيحية أو الديانة المسيحية في بلدنا عمومًا وهم يظنون أن الحوار يعني تغيير رأيك بشأن ما تؤمن به أو فقدان دينك كليًّا، وهذا خطأ واضح لأن الحوار مع أتباع الأديان الأخرى يعينك على معرفة المزيد عمَّا تدين به”.

ويطمح دالباك أيضًا إلى أن تساعد المساحة الجديدة لأتباع الأديان في فيسكسترا على التعامل بنجاح مع التركيبة السكانية المتغيرة.

وختم دالباك اللقاء قائلًا: “إن كل التقاليد والثقافات والأديان تتغير مع نمو المجتمع ومع مرور الوقت ومع ظهور قيم جديدة. وإن من الخطأ أن نؤمن بأننا لا نستطيع التغيير، بل إننا قادرون على التغيير وسوف نتغير لا محالة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.