27 نوفمبر 2022 4:11 ص
أخبار عاجلة

بين كوبا 1962 وأوكرانيا 2022

بشير عبد الفتاح

يقول كارل ماركس: «إنّ التاريخ قد يعيد نفسه عبر أحد سيناريوهين: أولهما، مأساة، والآخر، ملهاة». ويذهب الأديب الأمريكى، مارك توين، إلى أن «التاريخ قد لا يعيد نفسه، ولكنه يتشابه كثيرا». ويعتقد، ثيوسيديدس،«أن الطبيعة البشرية لا تتغير، وأنه يمكننا توقع تصرف البشر بنفس الطريقة التى انتهجها أسلافهم، عندما مروا بنفس التجارب والأحداث». ويرى، وينستون تشرشيل، أن «التاريخ يعيد نفسه، لأن الحمقى لا يفهمونه جيدا». أما الاتجاهات الفكرية، التى تنتمى إلى مدرسة «التاريخ البديل»، أو «الموازى»، فتفترض أن وقوع نفس الحدث، رغم جسامته، فى زمن آخر، وظروف مغايرة، قد لا يفضى بالضرورة، إلى ذات النتائج.

من بين جوانب تشابه عديدة، بين الأزمتين الأوكرانية 2022، والكوبية 1962، برأسه يطل البعد النووى فى مجرياتهما. فقبل ستين عاما، تمكن الاتحاد السوفيتى من نصب صواريخ نووية متوسطة المدى بجزيرة كوبا، التى تبعد 90 ميلا فقط عن شواطئ ولاية فلوريدا الأمريكية. أما اليوم، فتلبد التهديدات النووية أفق الأزمة الأوكرانية، إلى مستوى دفع البشرية، إلى استحضار أجواء أزمة الصواريخ الكوبية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية ــ الأوكرانية فى فبراير الماضى، يتخوف العالم من لجوء الرئيس، بوتين، إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية، أو نزوع نظيره الأوكرانى، إلى استخدام قنابل قذرة. بينما تثور تساؤلات بشأن جهوزية القيادات الروسية، والأمريكية، والأوكرانية، لتجنب تلك السيناريوهات الكارثية، عبر التحلى بشىء من الحكمة، والجنوح للحوار والتفاهم. أسوة بما جرى، إبان الأزمة الكوبية، قبل ستة عقود خلت.

لم تتورع روسيا من جهتها، عن التلويح بإمكانية اللجوء للسلاح النووى، إذا ما قرر شخص ما تدميرها، أو سجلت أنظمة الإنذار المبكر هجوما صاروخيا استراتيجيا على أراضيها، التى تشمل أربع مناطق أوكرانية، ضُمت إليها أخيرا. وفى فبرايرالفائت، أشرف، بوتين، على تدريبات لقوات الردع النووى الاستراتيجى الروسية. بدورهم، كشف مسئولون أمريكيون عن تخطيط قادة فى الجيش الروسى لاستخدام أسلحة نووية تكتيكية فى أوكرانيا. كما حذروا من أن تفضى إخفاقات القوات الروسية، فى شرق أوكرانيا، إلى حمل بوتين على استخدام السلاح النووى كملاذ أخير.

خلال اجتماع علنى لمجلس الأمن القومى الروسى، أخيرا، حذر، بوتين، من إمكانية استعادة أوكرانيا وضعها النووى. فبفضل إرثها السوفيتى، تحتكم على خبراء، ومعدات، وتقنيات، وقدرات، تفوق ما بحوزة إيران وكوريا الشمالية. فيما لن يستعصى على كييف توفير منظومة تخصيب اليورانيوم، وإتمام تصنيع أسلحة نووية، مع زيادة مديات الصواريخ. بما يعرض روسيا لتهديد استراتيجى مباشر. من جانبه، يدعى الرئيس الأوكرانى، أن اتفاقية عام 1994، الشهيرة بـ«مذكرة بودابست»، والتى تنصّ على أن تحترم روسيا وحدة أراضى أوكرانيا، مقابل تسليم الأخيرة ترسانتها النووية، التى تعود للحقبة السوفيتية، إلى موسكو، قد عفا عليها الزمن. وإبان مؤتمرميونخ الأمنى، فى أغسطس الماضى، حذر، زيلينسكى، من إعادة بلاده النظر فيها، توطئة للتخارج منها. حالة عدم انعقاد قمة للدول الأطراف فى تلك الاتفاقية، أو تقديم ضمانات أمنية جديدة وموثوقة، لكييف.

ردا على ما أشيع حول تسريع واشنطن، وتيرة خططها لتخزين قنابل الجاذبية من طراز «بى 61ــ 12»، فى أوروبا. تزامنا مع شروعها فى نشر ست قاذفات من طراز «بى 52» الاستراتيجية، القادرة على حمل أسلحة نووية، فى أستراليا. دعت موسكو الأمريكيين، إلى استعادة أسلحتهم النووية، ذات السقوط الحر، التى نشروها فى إيطاليا، وألمانيا، وتركيا، وبلجيكا، وهولندا. مع تفكيك البنية التحتية لتخزينها وصيانتها، وتجميد خطط تحديثها. علاوة على التوقف عن محاكاة استخدام تلك الأسلحة، ضمن المهام النووية المشتركة التابعة للناتو، والتى تتعارض مع المبادئ الأساسية لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. حيث ترى الاستراتيجية العسكرية الروسية، أن مساعى واشنطن لتحديثها، وتقليل شحنتها النووية، لزيادة دقتها، ستجعلها أكثر قابلية للاستخدام، بما يقوض الحد الأدنى لنظام منع الانتشار النووى.

إلى حد بعيد، تتلاقى تلك التطورات مع أحد أبرز شروط تسوية أزمة الصواريخ الكوبية، والمتعلق بسحب الاتحاد السوفيتى صواريخه النووية متوسطة المدى من الجزيرة الكاريبية. مقابل تعهد أمريكى بالتخلى عن غزوها لاحقا، وسحب واشنطن صواريخها النووية، المكافئة لها، من طرازى؛ «جوبيتر»، و«ثور»، من تركيا. فمثلما رفضت إدارة، كينيدى، السماح بنشر صواريخ نووية سوفيتية، قبالة السواحل الأمريكية. تأبى موسكو اليوم، قيام «كوبا أمريكية»، أو «أطلسية»، فى أوكرانيا، من خلال تموضع غربى «استراتيجى» بمحاذاة الحدود الروسية.

فى خضم التصعيد الدعائى والميدانى، لم ينقطع التواصل الرسمى، عالى المستوى بين موسكو والغرب. فإلى جانب قمم بوتين، وحواراته الهاتفية، مع زعماء أوروبيين. تواصل بايدن، هاتفيا، معه مرتين، خلال أقل من شهرين. وعلى غرار خط الاتصال القائم بين الجيشين الروسى والأمريكى فى سوريا، والذى ساعد على تجنب اندلاع مواجهات بينهما هناك. تجرى اتصالات على مستوى وزيرى الدفاع، ورئيسى هيئة الأركان المشتركة، فى موسكو وواشنطن. كما يتوقع مسئولون أمريكيون، أن يعجل وجود قوات أمريكية فى بولندا، بدفع الجيش الأمريكى لإقامة خط اتصال مع نظيره الروسى، لتجنب أية حسابات خاطئة محتملة داخل أوكرانيا وحولها. حيث يتضمن تبادل الإخطارات بشأن العمليات الجوية فى أوكرانيا، مع إمكانية بلورة آلية تنسيق استراتيجى ثنائية، تشمل تحديد مناطق «حظر جوى أو طيران»، بقصد تسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى أوكرانيا.

تتطلب الإدارة الناجعة للأزمات المعقدة، خيالا استراتيجيا خصبا. ففى خطابه بالجامعة الأمريكية، قبيل اغتياله بخمسة أشهر، اعتبر، كينيدى، أن أهم دروس أزمة الصواريخ الكوبية؛ تتجلى فى التماس مزيج سحرى من المكونات العامة والخاصة، فائقة السرية. وأن الدفاع عن المصالح الحيوية، يفرض على القوى النووية تجنب المواجهات، التى من شأنها إجبار الخصم على المفاضلة ما بين انسحاب مهين، أو خوض حرب نووية. من هذا المنطلق، يتعين على واشنطن وحلفائها الغربيين، تقليص وطأة الضغوط عن كاهل الرئيس الروسى، حتى لا يضطر إلى تبنى خيارات تصعيدية نووية انتحارية.

ففى عام 1962، كانت الولايات المتحدة تتمتع بأفضلية استراتيجية، ذات مغزى، على الاتحاد السوفيتى، لجهة الأسلحة النووية الاستراتيجية. إذ كانت الترسانة الأمريكية تتجاوز، بثمانى مرات، نظيرتها السوفيتية. بواقع 27,297، مقابل 3,332. أما اليوم، فقد تبدل الحال، حيث تمتلك روسيا أكبر عدد من الرءوس النووية عالميا، بواقع 5977 رأسا استراتيجيا، وألفى تكتيكى قيد التشغيل. مقابل 5428 رأسا استراتيجيا، و200 تكتيكى لدى واشنطن. وحرى بالغرب، استثمار جنوح، بوتين، لتسوية سلمية كريمة. حيث يؤكد التزامه بعقيدة نووية، تجعل من سلاحه النووى أداة دفاعية بحتة. كما يتمسك بالبيان المشترك لزعماء الدول النووية الخمس، بشأن منع الحرب النووية. وضمن سياق استراتيجيتى الطمأنة وخفض التصعيد، يتشبث المسئولون الروس بأولويتهم القصوى، التى تتحاشى الصدام العسكرى بين القوى النووية، تلافيا لمواجهة نووية، مأساوية العواقب.

حتى الآن، تبقى بعيدة أى فرص جادة لتسوية الأزمة الأوكرانية دبلوماسيا. فعقب تصريحات الرئيس، بايدن، بشأن حرب نهاية العالم، صدمت موسكو الجميع، بزعمها أن قناة الاتصال المباشرة بين الكرملين والبيت الأبيض. والتى حالت دون اندلاع المواجهة النووية أثناء أزمة الصواريخ الكوبية. فيما ظلت مستمرة فى شكل رابط كمبيوتر آمن. يتم عبره تبادل الرسائل بين البيت الأبيض وموسكو،عن طريق البريد الإلكترونى، لم تعد قائمة. بيد أن واشنطن، وبعدما أقرت بخفوت مستوى التنسيق مع روسيا، أكدت استبقاء طرق لتبادل الرسائل، ذات الأهمية القصوى، بين الروس والأمريكيين.

أخيرا، ألمحت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأمريكية، إلى مساعى مستشار الأمن القومى الأمريكى، لتعزيز خط الاتصال مع روسيا، وعقده محادثات سرية مع كبار مساعدى، بوتين، لمنع الحرب النووية. مع ممارسة واشنطن ضغوطا على الرئيس الأوكرانى، لأجل التفاوض مع موسكو. وهى الأنباء، التى قوبلت بإنكار روسى ــ أوكرانى. فمن جهتها، استبعدت موسكو أى فرص للتفاوض. وأصدرت بيانا، يشدد على شروطها للتسوية، والتى تتمثل فى: ضرورة وقف دعم واشنطن للنازيين الجدد والإرهابيين فى أوكرانيا، والامتناع عن تسهيل نقل المرتزقة الأجانب إلى مناطق النزاع، ووقف الدعم العسكرى الغربى لكييف. أما الأخيرة، وبعدما نفت تعرضها لأية ضغوط بغية التفاوض، ولو بغرض استجداء الدعم الغربى، فقد جدد الرئيس زيلينسكى، أثناء كلمته أمام قمة المناخ بشرم الشيخ، شروط بلاده للتفاوض وهى: استعادة وحدة الأراضى الأوكرانية، واحترام ميثاق الأمم المتحدة، والتعويض عن جميع الأضرار التى تسببت فيها الحرب، ومعاقبة جميع مجرمى الحرب، وضمان عدم تكرار ما يحدث. كما شدد على استعداد بلاده لإجراء محادثات مع أى رئيس روسى، باستثناء بوتين.

……………

نقلا عن الشروق 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.