1 فبراير 2023 5:44 ص
أخبار عاجلة

تقرير.. هل تنهض أمريكا بحلمها من جديد؟

أرشيفية

مركز الدراسات

 

أحد أهم الأسئلة التي تطل برأسها على أوقاتنا الحالية هو ذاك المتعلق بالقطبية القادمة ، وهل ملامح العالم القادم غربية أم شرقية أم مزيج من الأصالة والمعاصرة ؟ أم ماذا ؟
في مؤلفه الشهير ،” عالم ما بعد أمريكا “، يخبرنا الكاتب والإعلامي الأمريكي ، من أصل هندي ، فريد زكريا ، أن الغرب وبقية العالم يتفاعلان منذ آلاف السنين ، فالشر ق الأوسط حافظ على وطور العلوم الغربية لقرون وروسيا شهدت صراعا بين هويتها الغربية وغير الغربية لمدة لا تقل عن أربعة قرون وفي الكثير من بقاع العالم كان الغرب موجودا منذ مدة طويلة ،لدرجة أنه أصبح جزءا من نسيج تلك الحضارة ، ولهذا فمن الطبيعي أن يبنى أكبر كازينو في العالم في ماكاو بالصين ، وقد شيد بطريقة تحاكي سان مارك في فينيسيا ، المتأثرة بدورها بقوة العمارة الإسلامية .. فهل هو صيني أم غربي أم إسلامي أو عصري ؟.

لعله جميعها معا، وقد اتخذت الحداثة وجهها الغربي ،لأنها بدأت مع نهضة الغرب ، لكنها مع توسع العالم الحديث وضمه مزيدا من بقاع العالم ، أصبحت أشبه ببوتقة صهر .
إن التجارة والأسفار والاستعمار والهجرة والبعثات التبشيرية قامت بخلط الأشياء بعضها بعض والسؤال : هل سيكون المستقبل حديثا أم غربيا ؟ الرد أكثر تعقيدا مما يبدو عليه ، فيما الجواب المعقد الوحيد، يتمثل بالنظر إلى بلدان معينة من أجل فهم ماضيها وحاضرها ، ثقافتها وتقاليدها وطريقة تأقلمها مع العالم الغربي والحداثة .

على سبيل المثال ، يبدو التحدي الحقيقي الذي سيواجهه الأمريكيون في المستقبل لا يتعلق بوجود مواقف مختلفة بل بجغرافيا وتاريخ ومصالح وإمكانيات مختلفة ، وعليه فإن التحدث عن نهوض آسيا غير منطقي لأنه لا يوجد شيء أسمه آسيا التي هي في الحقيقة مفهوم غربي ، إذ أن هناك دولا كثيرة مختلفة أشد الاختلاف بعضها عن بعض ضمن هذا الشيء الذي يدعى آسيا ، مثل الصين ، اليابان ، الهند ، اندونيسيا . وكل واحدة منها تضمر شكا تجاه البقية .

العالم يبدو مختلفا بالنسبة إلى الصين والهند ليس بسبب هويتهما ، بل بسبب موقعيهما الجغرافيين ، وعليه فإن التحول الكبير الذي يحدث في العالم اليوم، قد يتبين أنه لا يرتبط بالثقافة ، بقدر ما يرتبط بالقوة .. ما الذي يجري على وجه الدقة ويؤدي إلى مزيد من نشوء وإرتقاء عالم ما بعد امريكا ؟

 

تكثر القراءات حول الصين ،على أنها التحدي الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية ،وهنالك مجموعة أمريكية مكونة بشكل أساسي من محافظين جدد، وبعض المسئولين في البنتاجون تدق أجراس الخطر بخصوص التهديد الصيني ، وتشير بشكل خاص إلى الجانب العسكري منه .

لكن الوقائع لا تدعم قضيتهم ، من المؤكد أن الصين توسع جيشها ، لكن الصينيون يدركون كم هو مائل الميزان العسكري ، وعلى هذا الأساس فإن تحدي الصين الذي تكافح من أجله وهو تحقيق التوازن العسكري ، لن يبدو أبدا مثل تحدي الإتحاد السوفيتي ، لكنها ستبقى على الأرجح قوة عظمى غير متكافئة ، إنها تحاول الآن إستكشاف وتطوير طرائق لأضعاف التفوق العسكري الأمريكي، مثل تكنولوجيا الفضاء والتكنولوجيا التي تعتمد على الانترنت ، لكن الأهم من ذلك ،هو أنها ستحاول إستخدام قوتها الإقتصادية ومهاراتها السياسية ، لتحقيق أهدافها من دون اللجوء إلى القوة العسكرية ، فالصين لا تريد أن تغزو أو تحتل تايوان ، بل تريد الإستمرار في تقويض الحركة الاستقلالية التايوانية حتى تنهكها وتصبح لديها الأفضلية .

بالمقابل تعرف الولايات المتحدة كيف تتعامل مع تطور عسكري سياسي تقليدي ، ففي النهاية هذه كانت طبيعة التهديد السوفيتي ، والإرتقاء النازي للسلطة ، لا سيما أن الولايات المتحدة تملك خلفية فكرية وأدوات، أسلحة ، صفقات ، مساعدة ، تحالفات تمكنها من مواجهة التطور الصيني الإستراتيجي ، فإذا كانت الصين ستتعامل بعجرفة وهمينة وتثير غضب جيرانها وتخيف العالم ،فإن الولايات المتحدة ستكون قادرة حينئذ على الرد بمجموعة من السياسات الفعالة ، والتي ستستفيد من عملية الموازنة الطبيعية ، التي ستدفع اليابان والهند واستراليا وفيتنام وربما دولا أخرى أيضا للتضامن معا، من أجل تقييد النفوذ الصيني الصاعد .

على أنه وفي أثناء تفكير الأمريكيين في كيفية التعامل مع الصين ، لا تغيب عن ناظري النخبة السياسية الأمريكية، قوة صاعدة أخرى قريبة من الصين ، وتلحق بركبها إنها الهند ، وهذه لها عودة لاحقا .

ما هي الخلاصة ؟

قطعا لم تعد الولايات المتحدة تملك الأوراق التي كانت تمتلكها في العام 1945 ،أو حتى في العام 2000، لكن أوراقها ما زالت أقوي من أوراق أي بلد أخر، مجموعة متشابكة وشبه متكاملة مع القوى الإقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية ،وستبقى كذلك في المستقبل المنظور، ولعل الأهم من ذلك هو أنها لا تحتاج إلى صياغة العالم من جديد ،فالنظام الدولي الذي أسس على يد الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، بحاجة ماسة إلى التوسع والإصلاح وليس إلى أعادة الصياغة ، والعهدة على زكريا نفسه .
وفي كل الأحوال ،قد تكون أمريكا أكثر قوة من بريطانيا في زمنها، لكنها لا تستطيع تجاهل العبرة المتعلقة بضرورة تحديد خياراتها، ولا يمكنها أن تورط نفسها في كل شئ.
لابد لأمريكا من أن تتوقف عن الخوف .، انه العامل الذي أنتج جوا من الشك والذعر في الولايات المتحدة والخوف الذي جعل الأمريكيين يرتكبون أخطاء إستراتيجية ، بعد أن أقنعوا أنفسهم بأنه يجب عليهم أن يتصرفوا بسرعة ولوحدهم – بشكل إستباقي ومن جانب واحد – .
أمريكا وفي زمن إنتخابات التجديد النصفي للكونجرس ، ولكي تزدهر في هذا العصر الجديد المليئ بالتحديات، وكي تنجح وسط نهوض البقية ، بحاجة إلى النجاح في اختبار واحد فقط ، ينبغي عليها أن تكون مكاننا جذابا للعالم مرة أخرى ….هل تنهض أمريكا بحلمها من جديد ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.