30 يناير 2023 5:29 م

الكريسماس… شجرة ومغارة وهدايا ..المعنى والرمز

دراسة أعدها للنشر- إميل أمين 

كل عام وجميعكم بألف خير، أنه زمن الكريسماس، أي زمن ميلاد السيد المسيح، وقد جري العرف أن تكون الفترة التى تسبق الخامس والعشرين من ديسمبر من كل عام، مناسبة للبهجة والاحتفال حول النصف الغربي من الكرة الأرضية بنوع خاص، غير أن علامات استفهام عريضة ترتسم في الأفق حول هذه المناسبة التي يتداخل فيها الاجتماعي مع الثقافي، الأسطوري مع الحقيقي، المثال مع الرمز، إلي الدرجة التى تضيع معها المعاني والمباني الروحانية الحقيقية للميلاد المجرد من ثقافة الاستهلاك ، تلك التى أججت نيرانها رأسمالية الأسواق حول العالم.
في هذه القراءة نحاول تقديم عصف ذهني حول ظاهرة الكريسماس عبر التاريخ وحتي الساعة، وإن باختصار غير مخل وفي ذات الوقت بدون تطويل ممل.

ماذا تعني كلمة كريسماس بداية؟
كلمة كريسماس هي عبارة عن لفظ مزدوج مكون من مقطعين فأولا Christ وتعني المسيح ومأخوذة من اللغة اليونانية (كريستوس).
فيما المقطع الثاني Mas فهي كلمة مصرية الأصل، هيروغليفية الجذور تعني يلد أو To give birth.
فعلي سبيل المثال “تحتمس” بالفرعونية تعني المولود من تحوت، أو “رعمسيس” أي المولود من الآلة رع آله الشمس عند الفراعنة، ومن هنا جاءت كلمة “ماس” بمعني مولد السيد المسيح.
السؤال الذي يتردد دوما علي الأذهان… هل 25 ديسمبر هو التاريخ الحقيقي لمولد السيد المسيح؟
الجواب الشافي الوافي يحتاج إلي مؤلف قائم بذاته، لكن يمكننا القول أن هناك جذور لا علاقة لها بالمسيحية حول الاحتفال بهذا التاريخ، ذلك أن أول من صرح بوضوح أن السيد المسيح ولد في 25 ديسمبر هو القديس “هيبولتيوس” الروماني، في تعليقه علي كتاب النبي دانيال، كما أن بعض مفسري الكتاب المقدس يربطون هذا التاريخ بالاحتفال بعيد تكريس هيكل أورشليم، الذي أطلقه يهوذا المكابي في عام 164 قبل المسيح.

وفي مرحلة لاحقة في القرن الرابع، أخذ العيد هيكليته النهائية عندما حل مكان العيد الروماني المعروف باسم الشمس الظافرة “، وتم التشديد بهذا الشكل علي أن مولد المسيح هو انتصار النور الحق علي ظلمة الشر والخطيئة.
لماذا إذن يحتفل الشرقيون بعيد الميلاد في السابع من يناير كانون الثاني وليس في 25 ديسمبر كانون الأول؟
بسبب اختلاف التقويم اليولياني (نسبة إلي يوليوس قيصر وزمن الإمبراطورية الرومانية)، عن التقويم الغريغوري نسبة إلي البابا “غريغوريوس الثالث عشر” بابا روما عام 1825، ويرجح علماء أخرين أن مولد السيد المسيح كان في الصيف لا الشتاء، وأن التاريخ الميلادي الآن سقط منه سهوا في عمليات حسابية نحو خمسة أو ستة أعوام ما يعني أننا الآن في عام 2021 أو 2222.

أين جري الكريسماس الحقيقي؟
أين ولد السيد المسيح؟ يجمع المؤرخون أنه ولد في مدينة بيت لحم، ومعناها بالعبرية “بيت الخبز”، وهي مدينة تبعد عشرة كيلو مترات عن أورشليم “القدس” وترتفع 756 مترا عن سطح البحر.
المدينة لها تاريخ قديم في بني إسرائيل، لأنها شهدت ميلاد الملك داود، أشهر وأهم ملوكهم، وقد تحول موقع ميلاد المسيح إلي كنيسة أثرية مهمة للغاية هي “كنيسة المهد” وقد بناها الإمبراطور الروماني قسطنطين عام 355 ميلادية، وتعتبر من أقدم كنائس فلسطين والعالم، والأهم من هذا حقيقة أن الطقوس الدينية تقام فيها بانتظام منذ مطلع القرن السادس الميلادي، حين شيد الإمبراطور الروماني “يوستنيان” الكنيسة بشكلها الحالي.
تضم الكنيسة ما يعرف بكهف أو “مغارة ميلاد المسيح” وتزين المغارة نجمة فضية موجودة في المذود المطلي بالمرمر ومكتوب عليها باللغة اللاتينية “هنا ولد يسوع المسيح من العذراء مريم”، وداخل المغارة خمسة عشر قنديلا تمثل الطوائف المسيحية المختلفة، وقد تعرضت بعض أجزاء الكنيسة للدمار عدة مرات، كان أولها في عام 529 عندما دمرها السامريون، وفي زمن الحروب بين الفرس والروم تمكن الإمبراطور الروماني “هرقل” من طرد الفرس من ممتلكات الدولة الرومانية عام 641، وتعرضت وقتها كنيسة المهد للهدم، من قبل الفرس عام 614، بينما أبقي الفرس علي بعض مباني الكنيسة عندما شاهدوا نماذج من الفن الفارسي الساساني علي أعمدة وجدران الكنيسة.
والمثير أنه في زمن الحروب الصليبية، أنتزعها وأحتلها الصليبيون حيث وجدوا في مظهرها وعمارتها الخارجية الشبيهة بالحصون والقلاع مكانا مناسبا لإدارة معاركهم وتبقي كنيسة المهد حتي الساعة شاهد علي مولد المسيح مشرقيا في أرض فلسطين.

 

نجمة الكريسماس 500 ألف عام
تخبرنا الأناجيل أنه عند مولد السيد المسيح ظهر نجم عظيم في المشرق، ويتحدث “متي” الإنجيلي عن هذا النجم بشكل خاص، وقد وصفه المؤلف البريطاني الشهير “وليام باركلي” في موسوعته التاريخية بأنه عرف باسم “ميزوري” أي مولد أمير.
هذا النجم تتبعه علماء فلك من بلاد فارس وساروا وراءه في السماء إلي أن توقف فوق مدينة بيت لحم، وهناك وجدوه مع أمه السيدة مريم العذراء، وفتحوا هداياهم وقدموا له ذهبا، ولبانا، ومرا وهذه قصة لاهوتية عميقة أخري.
السؤال الآن الذي شغل العلماء مؤخرا ما قصة هذا النجم؟
في الأيام الماضية نشرت صحيفة “الديلي ميل” البريطانية الشهيرة تحقيقا عن نجمة الميلاد الأيقونة الشهيرة التى نراها عادة تزين أشجار الكريسماس، فقالت أنها لم تكن نجمة أصلا، بل كانت عبارة عن حدث فلكي مميز، حدث في السنة السادسة قبل التاريخ الميلادي، ليل 17 أبريل/ نيسان علي وجه التحديد، شهدت تقارب القمر مع المشتري، وزحل والشمس، في مجاورة كوكبية نادرة في فلك برج الحمل.
وعلي مدي أكثر من عقد، عكف بروفيسور الفيزياء الفلكية النظرية وعلم الكونيات في جامعة “نوتردام الأمريكية، “غرانت ماثيوز” على دراسة هذا النجم واشار الى أن علماء الفلك والمؤرخين وكذا اللاهوتيين فكروا كثيرا في نجمة الميلاد، وتساءلوا اذا كان في هذا الكون الحافل مليارات النجوم، فأيها سطعت بهذه القوة في ذلك اليوم تحديدا؟
اعتبر ” ماثيو ” أن الفيزياء الفلكية الحديثة هي طريقة العلماء في شرح أحداث الماضي الفلكية الكبيرة، ووفق البحث الذي أجراه فقد اصطفت الشمس مع المشتري مع القمر مع زحل في كوكب برج الحمل، بينما كان كوكب الزهرة في برج الحوت، وكوكبا عطارد والمريخ في الجهة الأخري من برج الثور… هل ظهور هذا النجم أو حدوث تلك الظاهرة أمر قابل للتكرار؟
يقول عالم الفلك “ماثيو” حتي بعد 500 ألف عام، لن يحصل تقارب كوكبي مماثل تماما كالذي حصل منذ 6 سنوات قبل التاريخ الميلادي.
الكريسماس وثورة الشتاء الأبيض
هل كانت احتفالات الكريسماس عند الأوربيين والأمريكيين علي نحو خاص شكل من أشكال الهروب من قسوة الطبيعية وبروة الشتاء القاتل ولذلك رأينا المكانة الكبري للكريسماس في الغرب البارد دون مثل تلك الأهمية في الشرق الدافئ؟
الثابت تاريخيا أن أوربا عانت من البرودة القاتلة قرونا طويلة، ولم تعرف حياة الرفاهية إلا بعد ظهور الطاقة بإشكالها الأولية، والفحم في مقدمتها، وقد كانت ليالي الشتاء الطويلة والباردة تتسبب في انتكاسات نفسية كبيرة لشعوب القارة، ويخبرنا عدد من المؤرخين أن حالات الانتحار كانت تكثر في فصول الشتاء، وقد هال الأوربيين لاسيما أولئك الذين شاركوا علي مدي قرنين من الزمان تقريبا في الحروب الصليبية، ذلك الدفء الطبيعي والإنساني الذي وجدوه في الشرق بنوع خاص، ولذا حين عودتهم إلي بلادهم حاولوا أن يجعلوا من زمن الكريسماس أداة إنسانية للفرح وللتغلب علي قساوة الطبيعة، ولتبادل الهدايا، ومن هنا نشأت شخصية بابا نويل رجل الفرح والبهجة القادم علي عربته الشهيرة التى تجرها الغزلان علي الثلج في “جيرولاند” أو حتي علي ظهر قارب أو أو جمل في بلاد لا تقل فيها درجة الحرارة عن 30 درجة مئوية، إلا أن هذا الأمر لم يكتمل ويصبح عرفا، إلا في القرن التاسع عشر… لماذا؟
لأنه وقتها غمس فنان الكاريكاتير “توماس بنست” ريشته في الألوان ورسم علي الورق “سانتا كلوز” سمينا ذا خد متورد ولحية بيضاء طويلة، احتفالا بأعياد الميلاد، ونشرتها أحدي المجلات، ومن وقتها أصبحت هذه الصورة هي المعتمدة لشخصية بابا نويل، كما أنها جاءت تتويجا لمحاولات كثيرة بدأها الفنان “جون كالكوت هورسلي” المعروف بأبي بطاقات عيد الميلاد ورأس السنة وذلك عام 1843، عندما قام برسم بطاقات تبين عائلة سعيدة يتعانق أفرادها، وهم يتمتعون باحتفالات عيد الميلاد ويتبادلون التهاني والهدايا التى وجدوها أمام باب المنزل…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.