أخبار عاجلة

عمرو زكريا عبد الله يكتب.. صنع الله إبراهيم.. إرث لن ينطفئ

رحلَ قبل أيام الروائي المصري صنع الله إبراهيم (١٩٣٧-٢٠٢٥)، تاركًا إرثًا روائيًّا يتّسم بأعلى درجات مقاومة الزمن، حيث سيظلّ إنتاجُه شاهدًا على صراع طويل مع الاستبداد والهيمنة والقمع والفساد. كان صنع الله إبراهيم واحدًا من القلائل الذين اختاروا أن تكون الروايةُ ساحةً للمساءلة والتعرية وليس وسيلة للتجميل أو التواطؤ. ومن هذا المنطلق، كان صنع الله ليس مجرّد حكاء يسرد ما يلهمه به خيالُه وما تفيضه عليه قريحتُه، بل كان صاحب مشروع متكامل يتضح منه رؤيته للعالم من ناحية، ومفهومُه الخاص حول العلاقة القائمة بين الكتابة والواقع.

تمّ اعتقال صنع الله إبراهيم عام ١٩٥٩، بتهمة الشيوعيّة كونَه أحد أعضاء “حدتو” (وهي اختصار لـ “الحركة الديمقراطيّة للتحرّر الوطني”)، وعلى خلفيّة هذا الاعتقال، صدرتْ مجموعته القصصيّة الأولى عام ١٩٦٦، حاملةً عنوان تلك الرائحة، وهي إحدى القصص التي تضمنتها المجموعة، ومنها “الثعبان”، و”أرسين لوبين”، “أغاني المساء”، “أبيض وأزرق“.

في تلك الرائحة يصور صنع الله تجربته في السجن والفترة التي أعقبتْ خروجه والإفراج عنه. كانت هذه القصة بمثابة تسجيل مباشر لصدمة الحرية بعد القَيْد. وقد جاء النصُّ قصيرًا يحمل تشظيات وتكثيفات، جعلتْه أشبه ما يكون بتقرير أو مذكرة يوميّة تكاد أن تكون خلوًا من الحبكة التقليديّة. ولم تكن هذه “البرودة” الأسلوبية ضعفًا بقدر ما كانت قوّةً كسرتْ أفق توقّعات القارئ المصري الذي اعتاد في تلك الحقبة على السرد الملحمي أو الواقعي التقليدي. ومن هنا، كانت كتابات صنع الله إبراهيم بمثابة إرهاصٍ لما يمكن وصفُه بتيار “الواقعيّة التسجيليّة”، حيث الوثيقة واللغة الجافّة تصبحان جزءًا من جماليّات النصّ.

في اللجنة، التي نُشرتْ عام ١٩٨١ عن دار الكلمة البيروتيّة، بلغ صنع الله إبراهيم أقصى تجاربه في تفكيك البيروقراطيّة العربيّة باعتبارها نظامًا غامضًا ومخيفًا، فالرواية على هذا النحو لم تكن حكاية بطلٍ تقليديّ، بل أضحتْ مواجهة متوتّرة بين “المحكوم” و”اللجنة”، ذلك الكيان المبهَم الذي لا يُعْرَفُ له وجهٌ ولا ملامح. الأسلوب ههنا يقوم على التكرار والاستطراد واللغة الباردة، بما يعكس تشوش السلطة وعبثيّتها. ويغدو البناء السردي أقرب ما يكون إلى متاهة، حيث يظلّ حال القارئ كحال البطل، محاصَرًا في دوّامة الأسئلة والطلبات التي لا تنتهي. وهكذا تصبح الرواية بمثابة مختبَر لفحص آليّات السلطة، عارضةً كيف يتحوّل الفرد إلى مجرد “ملف“.

ربما تُعَدُّ رواية شرف (المنشورة عام ١٩٩٧) هي الأكثر تعقيدًا وثراءً في بنيتها السرديّة، وهي تنتني إلى أدب السجون، فالسجن ليس مجرّد مكان للعقاب، بل هو صورة مصغّرة للمجتمع المصري بتناقضاته، حيث الطبقيّة والفساد والجريمة والتواطؤ والعلاقات المشوّهة. وأسلوب صنع الله هنا يقوم على المزج بين السرد الروائيّ والوثائق الواقعيّة، كمحاضر الشرطة، وتقارير المنظمات، ومقالات الصحف، والنصوص القانونيّة. هذا التناوب بين الخطاب الروائي التخييليّ والوثيقة أفرز خطابًا روائيًّا فريدًا، حيث تتكشَّف آليّات القهر المؤسسي من داخل النص ذاته. فبنية الرواية أقرب ما تكون إلى أرشيف حيّ، ويغدو جفاف اللغة والأسلوب، الأقرب إلى لغة التقارير أو المحاضر، انعكاسًا لجفاف الواقع وقسوته. وقد تمّ تصنيف هذه الرواية باعتبارها ثالث أفضل رواية في قائمة أفضل مئة رواية عربيّة.

في رواية ذات (المنشورة عام ١٩٩٢)، يبتكر صنع الله إبراهيم أسلوبًا مزدوجًا يقوم، من جهة، على حكاية شخصيّة عاديّة (ذات) تمرّ عبر حياة يوميّة مليئة بالمفارقات، ومن جهة أخرى أرشيف صحفي يوثّق الأخبار الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة في مصر منذ السبعينات. وقد أفرز هذا التوازي بين مسار الفرد ومسار التاريخ سردًا كاشفًا عن التداخل القائم بين الخاصّ والعام، وعن كيفيّة تسرُّب وتغلغل القمع الاقتصادي والسياسي إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، كالزواج والعمل والاستهلاك. والبنية السرديّة في ذات لا تسير في مسار خطّيّ، بل تنبني على التقطيع والمجاورة، حيث المشهد الحميميّ يتجاور مع الخبر الصحفي البارد، مما يخلق مفارقةً على مستوى عالٍ من التهكميّة. وقد تمّ تحويل هذه الرواية إلى مسلسل تلفزيوني يحمل اسم بنت اسمها ذات.

مع أمريكانلي.. أمري كان لي (المنشورة عام ٢٠٠٣)، يوسّع صنع الله إبراهيم أفق روايته، كي يتأمّل علاقة المثقف العربي بالغرب، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكيّة، فالرواية تحاور فكرة الهيمنة الثقافيّة والسياسيّة. ولا يزال الأسلوب في هذه الرواية يحافظ على جفافه وصرامته، لكن تبرز هنا نبرةٌ أكثر سخريةً، تكشف تناقضات الآخر في نفس الآن الذي تكشف فيه هشاشة الأنا / الذات.

يمكن القول من خلال هذا العرض الجزئي لبعض من أعمال صنع الله إبراهيم إنّ من أهمّ ما ميَّز مشروعه الروائي كان يتمثل في:

الواقعيّة التسجيليّة، حيث الوثائق (كالصحف والمحاضر والتقارير) حاضرة ومدموجة في السرد بغيةَ تفكيك الخطاب الرسمي وكشف آليّاته.

اللغة الجافّة، التي هي أقرب إلى لغة التقرير والمحضر، لكنها في الوقت نفسه مُحمَّلةٌ بطاقةٍ نقدية هائلة، إذ تضع الوقع عاريًا أمام القارئ، كما يتجلّى ذلك في اللجنة.

البطل السلبي، حيث أغلب أبطال صنع الله إبراهيم مهزومون ومهمّشون، انعكاسًا للهزيمة الجَمْعيّة. فالبطل لا يغيّر الأحداث ولا ينتصر في النهاية، كما هو الحال في رواية شرف.

التهكّم والسخرية السوداء، عبر التراصف القائم بين الحميميّ والرسميّ، بين المأساويّ والكوميديّ.

ليس صنع الله إبراهيم سهلَ القراءة ولا استهلاكيًّا، فقد كان يطالب القارئ على الدوام بممارسة جهد فكريّ، عبر وضعه أمام نصوص غير مريحة، لأنّها تفضح وتُربك وتُقلق، لكنه دشَّن تيارًا روائيًّا متفرّدًا، يضع البنية واللغة في صميم الفعل النقدي، ويجعل من الرواية وثيقة للمساءلة الاجتماعيّة والسياسيّة.

رحل صنع الله إبراهيم، لكنّ إنتاجه سيظلّ حاضرًا، وإرثه لن ينطفئ لأنّ الحاجة ماسّةٌ إلى أدبٍ يقاوم التزييف والقهر.

عن سيد العادلى

رئيس التحرير

شاهد أيضاً

نهاية أبوشباب تليق به.. عماد الدين حسين

ما حدث مع ياسر أبوشباب يوم الخميس الماضى هو النهاية الطبيعية التى تليق بكل خائن …