لم يعد هناك من شك، أن الأديان، وفي أوقاتنا الحاضرة، باتت تلعب أدوارا متعددة ومعقدة ، حيث تتراوح بين الحفاظ على الهوية الثقافية والروحية للأفراد والمجتمعات، وبين المساهمة في التوترات والصراعات الإجتماعية والسياسية ، ومرد ذلك هو أن الأديان توفر إطارا أخلاقيا وقيميا للأفراد ، وتسهم في بناء المجتمعات المتماسكة من خلال القيم المشتركة والممارسات الدينية .
ومن ناحية أخرى ، قد تكون الأديان مصدرا للتطرف والإنقسام، خاصة عندما تستخدم في الصراعات السياسية أو عندما يتم تأويل النصوص الدينية بطرق متشددة.
هنا فإن الثقافة الدينية في العصر الراهن ، أمر يتطلب الإعتراف بطبيعته الديناميكية ومتعددة الأوجه ، ورغم تأثير التحديث والعولمة على دور الدين، إلا أنه لا يزال قوة مؤثرة في تشكيل الأفراد والمجتمعات . فبدلا من مجرد تراجع في التدين، نشهد تجليات متنوعة ومتطورة للإيمان، بما في ذلك حركات دينية جديدة، وحوار بين الأديان، وتأثير الرقمنة على الممارسات الدينية .
والشاهد أنه ما من دين بلا ثقافة ، ولا ثقافة من غير دين ، ولهذا ففي العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لايزال الدين والثقافة متشابكين بشكل عميق ، وتتسم علاقتهما أيضا بالتعقيد والتغيير ، ذلك أنه في حين أن الدين غالبا ما يشكل القيم والمعتقدات والهياكل الإجتماعية الثقافية ، فإنه يتاثر أيضا بالسباق الثقافي الذي يوجد فيه . ويزداد هذا التفاعل الديناميكي تعقيدا بفعل العولمة والعلمانية وظهور أشكال ثقافية جديدة ، مما يؤدي إلى تفسيرات وتفاعلات متنوعة بين الدين والثقافة حول العالم .
في هذا السياق العصراني، كرس مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات ،”كايسيد”، سلسلة من اللقاءات عن فهم الثقافة الدينية في العصر الحديث، تستكشف أبعاد الثقافة الدينية في سياقات دولية متنوعة.
تضمنت كل ندوة ، ومدتها 30 دقيقة ، نقاشات ثرية مع مجموعة من الخبراء البارزين، في حوارات تهدف إلى تعميق الفهم المشترك، وتعزيز الحوار البناء حول قضايا محورية مثل الدين، والدبلوماسية، وتسوية النزاعات، والتعليم الشامل . وقد جاءت هذه السلسلة في إطار إلتزام كايسيد المستمر بدعم التفاهم والتقارب بين أتباع الأديان والثقافات، من خلال تمكين الأفراد والمؤسسات بالمعرفة والمهارات اللازمة للتفاعل الواعي والمسؤول مع التعددية الدينية.
استضافت ندوات كايسيد خبراء على أعلى مستوى، مثل البروفيسورة إيرين ويلسون ، المتخصصة في شؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، والتي تناولت دور الثقافة الدينية في العمل الدبلوماسي وصناعة السياسات العامة.
كما شارك فيها الخبير في قضايا النزاعات والتعاون بين أتباع الأديان، ديكي سفيان، حيث سلط الضوء في الندوة الثانية على الدور المحوري للثقافة الدينية في جهود حل النزاعات وبناء السلام .
أما الندوة الثالثة من السلسلة فقدمها دانييل ديل نيدو، المتخصص في التعليم والإندماج المجتمعي ، وخصصت لتسليط الضوء على الدور الحيوي للثقافة الدينية في بناء بئات تعليمية شاملة تراعي التنوع .
يعن لنا أن نتساءل :” لماذا الإهتمام من جانب كايسيد بعلاقة الدبن بالثقافة ؟
الجواب يأخذنا حكما إلى التساؤل الذي طرحه الفيلسوف الفرنسي “أندريه مالرو ” في ستينات القرن الماضي، بشأن القرن الحادي والعشرين، وهل سيكون قرنا دينيا أم لا ؟
اثبتت الأحداث أن الدين لا سيما في العقود الثلاثة المنصرمة ، بات يحظى بإهتمام متزايد في وسائل الإعلام العامة ودوائر السياسات الحكومية حول العالم، فقد ثبت أن اليقين الذي ساد بعد عصر التنوير بأن العقل سيحل محل الدين كان خاطئا تماما . ومع ذلك ، لا يزال الدين من أقل قطاعات الحياة فهما لدى غالبية الناس في أي مجتمع . بالطبع، قد نظن جميعا أننا نفهم الدين، أو على الأقل فهمنا لمفهومنا الخاص منه ، ولكن هناك أدلة كثيرة تشير بقوة إلى أن هذا ليس صحيحا في الواقع.
والثابت أيضا هو أن الأديان تلعب دورا هاما في الحفاظ على التراث الثقافي والديني للأمم والشعوب، فهي توفر إطار للطقوس والممارسات التي تميز مجتمعا عن أخر، وتعزز الشعور بالإنتماء والوحدة بين الأفراد.
أنفع وأرفع ما قدمته ندوات كايسيد ضمن سلسلة الثقافة الدينية في العصر الحديث، هو أنها وفرت للمشاركين معرفة تطبيقية وأدوات عملية تمكنهم من فهم أعمق للتعددية الدينية، والتعامل بوعي وشمولية مع تعقيدات المشهد العالمي الراهن. كما أن هذه السلسلة من اللقاءات ، مثلت فرصة رائعة لتعزيز الكفاءات الفكرية والمهنية في مجالات الحوار والتعايش وبناء الجسور بين أتباع الثقافات والأديان من مشارق الأرض إلى مغاربها.