يأتي المعرض السادس للأمير طلال بن عبد العزيز الذي تحتضنه مكتبة الأسكندرية العريقة، في زمن تتعدد فيه التحديات وتتزايد الحاجة إلى رموز ملهمة في العمل الخيري والتنموي، يُقام المعرض السادس من سلسلة “طلال: تاريخ تقرأه الأجيال”، وللمرة الأولى خارج مؤسسات الأمير طلال – رحمه الله -، في مكتبة الإسكندرية، هذا الصرح الثقافي الذي يشكل أحد معالم التنوير والمعرفة في الوطن العربي. لم يكن هذا الحدث مجرد معرض يوثق سيرة، بل خطوة رمزية عميقة الدلالة، تكشف كيف تجاوز فكر الأمير طلال حدود المؤسسات الرسمية، ليغدو جزءًا من الذاكرة الثقافية المشتركة للعالم العربي.
ويكتسب هذا المعرض بُعدًا استثنائيًا بارتباطه بتوقيت مهم، إذ يتقاطع مع اليوم الدولي للأعمال الخيرية، في تذكير عالمي بقيمة العطاء المسؤول، حيث يتجلى الأمير طلال ليس كمجرد فاعل خير، بل كصاحب مشروع تنموي أصيل تجاوز المفهوم التقليدي للعمل الخيري نحو رؤية مؤسسية تستهدف تمكين الإنسان لا إعانته فقط.
اختيار مكتبة الإسكندرية لاحتضان هذا المعرض لم يكن محض صدفة، بل يحمل بعدًا شخصيًا وتاريخيًا. ففي مدينة الاسكندرية وطأت قدما الأمير طلال أرض مصر لأول مرة وهو في الثالثة عشرة من عمره، في رحلة علاجية تحوّلت إلى علاقة وجدانية استمرت طوال حياته. كانت الإسكندرية بوابة أولى لوعي مبكر، وانفتاح فكري وثقافي أسهم في تشكيل رؤيته لاحقًا. ولهذا، فإن عودة فكره إلى هذا المكان ليست مجرد مناسبة، بل عودة إلى الجذور الأولى التي تشكّل منها المشروع الفكري والإنساني للأمير.
ويمثّل هذا المعرض الحلقة السادسة في سلسلة معارض توثيقية انطلقت عام 2020. فالمعرض الأول أقيم في ديسمبر من ذلك العام، في قصر الفاخرية بالرياض، كمبادرة عائلية بمناسبة ذكرى وفاته، تحت عنوان “طلال: تاريخ تقرأه الأجيال”، وقد تحول حينها من لقاء عائلي إلى حدث ثقافي واسع التأثير. في العام التالي، ديسمبر 2021، احتضن مقر برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند) المعرض الثاني، مكرّسًا لتوثيق المبادرة التنموية الكبرى التي أطلقها الأمير طلال عام 1980 بدعم من قادة الخليج، والتي أصبحت لاحقًا إحدى أبرز آليات التنمية الإقليمية.
وفي نوفمبر 2022، انتقل المعرض إلى الكويت، حيث استضافت الجامعة العربية المفتوحة المعرض الثالث، احتفاءً بمرور عشرين عامًا على تأسيسها، في تجسيد عملي لرؤية الأمير طلال في أن التعليم يجب أن يكون متاحًا للجميع، متجاوزًا العوائق الجغرافية والاقتصادية. أما في مارس 2023، فقد أقيم المعرض الرابع في القاهرة، بمقر المجلس العربي للطفولة والتنمية، ليعرض تجربة امتدت 35 عامًا في دعم قضايا الطفولة، والارتقاء بواقع الأطفال العرب، خاصة الأطفال ذوي الإعاقة وأطفال في وضعية الشارع.
ثم جاء المعرض الخامس في ديسمبر 2024 في الرياض، متزامنًا مع مرور ربع قرن على تأسيس جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية، وجاء هذا المعرض في سياق عالمي مع استضافة المملكة لقمة التصحر “كوب 16″، في إشارة إلى اتساع الرؤية التي تبناها الأمير، والتي دمجت بين قضايا الإنسان والبيئة في مقاربة تنموية شاملة. وأخيرًا، في صيف 2025، تُفتَح أبواب المعرض السادس في مكتبة الإسكندرية، ليكون الأول من نوعه خارج دائرة مؤسسات الأمير طلال، مؤكداً أن الرسالة التي تركها لم تعد محصورة في المؤسسات، بل أصبحت مشروعًا عامًا يمتد في الوعي العربي.
وليس المعرض مجرد توثيق لسيرة رجل، بل توثيق لتحوّل في مفهوم التنمية ذاته، حيث لا يُنظر إلى المساعدات بوصفها غاية، بل كوسيلة لبناء الإنسان، عبر التعليم والصحة، وتمكين المرأة، وتعزيز المؤسسات المجتمعية، وترسيخ العدالة. فالمبادرات التي أطلقها الأمير، مثل أجفند, الجامعة العربية المفتوحة، والمجلس العربي للطفولةوالتنمية، وبنوك الشمول المالي، مركز المراءة العربية للتدريب والبحوث “كوثر” ، وجائزة الأمير طلال الدولية، وغيرها، لم تكن مشروعات لحظية، بل أدوات تغيير مستمر، أثبتت قدرتها على خدمة الإنسان عبر عقود بعيدًا عن الخطاب الدعائي.
لقد رسم الأمير طلال ملامح نهج تنموي متكامل، وربط بين الاستدامة المالية والتأثير الاجتماعي، واعتمد على العمل المؤسسي بدلًا من المبادرات الفردية، وهو ما تسعى الهيئة العليا للمعارض، برئاسة الأمير عبد العزيز بن طلال، إلى توثيقه وتفعيله. فكل معرض يُقام لا يهدف إلى الاحتفال بالماضي، بل إلى فتح نافذة نحو المستقبل، ودفع الأجيال الجديدة لتبني ذات الرؤية: التنمية لا تكون إلا من أجل الإنسان، ومن خلال الإنسان.
وهكذا، يأتي المعرض السادس في الإسكندرية لا كحدث ختامي، بل كحلقة في سلسلة متواصلة من الإلهام والتأثير، حيث يُبعث صوت الأمير طلال من جديد، لا من أجل الذكرى، بل من أجل العمل، ليبقى هذا المعرض شاهدًا على أن الإرث الحقيقي لا يُختزن في الصور، بل يُترجم إلى مؤسسات وأفكار تمضي بعد أصحابها لأنها ببساطة… بُنيت من أجل البشرية.
____________________________
الكاتب- الدكتور :منال ابراهيم
المدير التنفيذي لمعارض الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود