السيد العادلي
عمل الأطفال والعدالة الاجتماعية
أدحسن البيلاوي أمين عام المجلس العربي للطفولة والتنمية
المؤتمر العربي رفيع المستوى
“عمل الأطفال وسياسات الحماية الاجتماعية في الدول العربية”
القاهرة: 3 – 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025
هل سيكون عام 2025 بداية قوية للعمل معاً في سبيل نهاية عمل الأطفال؟
أعلنت الأمم المتحدة أن عام 2021 هو عام البدء في إنهاء عمل الأطفال.. وأعلنت عن فعاليات تقام في كل مكان لتعلن الالتزام بالقضاء على ظاهرة عمل الأطفال. وأن أحد أهداف التنمية المستدامة 2030 SDG (هدف 8.7)، هو “إنهاء كل أشكال ظاهرة عمل الأطفال.
إلا أن وباء كورونا (covid 19) داهم البشرية 2021 وتسبب في زيادة أعداد الأطفال العاملين في ظل ما أحدثته الجائحة من أضرار اقتصادية واجتماعية وضغوط نفسية، وانقطاع السبل للعيش في المناطق الفقيرة في العالم، وانقطاع ملايين الأطفال عن مواصلة تعليمهم، وفقدان وظائف أعداد هائلة من العاملين.
وعلى أي الأحوال فمعركة مكافحة ظاهرة عمل الأطفال ليست سهلة، لأن أسباب الظاهرة هي أسباب بنيوية في المجتمعات التي يرتفع فيها القهر والتخلف الثقافي والظلم الاجتماعي، فالمعركة إذن يجب أن تتجه للقضاء على الأسباب في هذه المجتمعات، ومن بينها بعض مجتمعات المنطقة العربية.
إن النتائج الرئيسة المهمة في التقرير الصادر عن اليونيسيف ومنظمة العمل الدولية 2025 إنما تؤكد على صورة كلية من حيث توزيع الأطفال في ميادين العمل، وذلك كما يلي:
1- يشغل قطاع الزراعة 68٪ من الأطفال العاملين (١١٢ مليونًا) يليه ٢٠٪ في قطاع الخدمات (٣١.٤ مليونًا) و١٠٪ في الصناعة (١٦.٥ مليونًا).
2- نحو ما يقارب 70٪ من الأطفال العاملين في الفئة العمرية 15-17 سنة و٣٥ما يقارب 39٪ من الأطفال العاملين في الفئة العمرية 5-١٤ سنة هم خارج المدرسة.
3- إن عمل الأطفال منتشر بين الفتيان أكثر من الفتيات في جميع الأعمار. ومع ذلك فإذا حسبنا الأعمال المنزلية التي تمارس لمدة ٢١ ساعة على الأقل في الأسبوع، فإن الفجوة بين الجنسين تضيق في عمل الأطفال.
4- انتشار عمل الأطفال في المناطق الريفية أعلى بثلاث مرات مما هو عليه في المناطق الحضرية.
ويقدم التقرير الظروف الاجتماعية في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كمثال للظروف التي ينمو فيها، وينشأ عنها ازدياد ظاهرة عمل الأطفال؛ حيث يؤكد التقرير “أن في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أدى النمو السكاني والأزمات المتكررة، والفقر المدقع، وضعف تدابير الحماية الاجتماعية إلى زيادة عدد الأطفال العاملين بمقدار ١٦.٦ مليونًا خلال السنوات الأربع الماضية.
وهكذا، فإن الإحصاءات الواردة من كل منظمات الأمم المتحدة المعنية بهذا الأمر، تبين أن ظاهرة عمل الأطفال التي تعبر عنها الأرقام السابق ذكرها مازالت مخيفة، مما يؤكد أن العالم مازال بعيداً عن تحقيق هدف التنمية المستدامة بإنهاء عمل الأطفال.
والسؤال الآن: وماذا عن أوضاع عمل الأطفال في البلاد العربية؟
الإجابة: ليست أحسن كثيراً عن حال مما يحدث في المناطق التي يزيد فيها عدد عمل الأطفال.
لقد أوضحت دراسة عمل الأطفال في الدول العربية (٢٠١٩) – والأمس ليس بعيداً عن اليوم في هذه الظاهرة غير الإنسانية – إن عمل الأطفال في المنطقة العربية يتركز أغلبيته في الزراعة، وخاصة في الحيازات الزراعية الصغيرة، ويلي ذلك قطاع الخدمات والصناعة. وتختلف قطاعات نشاط الأطفال الإناث إلى حد كبير بين البلدان تبعًا لخصوصية الاقتصادات المحلية، مع مراعاة أن “مسوحات الأسر المعيشة” غالبًا ما تغفل، أو تعجز، عن رصد أنواع معينة خفية من عمل الأطفال في صفوف الفتيات”.
كما أوضحت دراسات متعددة أن بعض محددات عمل الأطفال، المتمثلة في فقر الأسر وحاجتها إلى الدخل الذي يوفره عمل أطفالها، ومحدودية فرص التعليم، ومحدودية قيمته في ظل غياب التوقعات المستقبلية المتعلقة بفرص العمل، والقدرات المحدودة لأجهزة بعض الدول في التفتيش على العمل، وميل أصحاب الأعمال إلى استخدام الأطفال للعمل لرخص الأجور، وسهولة الإدارة.
كما أشارت الدراسات أيضاً، إلى المخاطر النفسية والعاطفية والإنسانية التي يتعرض لها الأطفال، إضافة إلى احتمالات التعرض لتجارة البشر والإساءة الجنسية.
ولم تغفل الدراسة العربية (2019) أثر الحركات الإرهابية في كثير من بلادنا العربية، وقد اطلعت الدراسة على أثر هذه الحركات “في زيادة عمل الأطفال في “النزاعات المسلحة” وهو الاسم الذي تعتاد المنظمات العالمية أن تطلقه على هذه الظاهرة، تمشيًا مع الحياد (غير الإيجابي!!!) إذ إنها حقيقة ليست نزاعات مسلحة إنها بالأحرى حركات إرهاب وحروب نسلحة مع فرط اعتداءات العدو الصهيوني. إن الإرهاب والفقر والحروب، قد شكلت بيئات عنف أحالت الحياة إلى جحيم بالإضافة إلى ظروف الفقر المدقع، والتهديدات الصحية والأمنية وتدمير المدارس والمساجد والكنائس، يجد الأطفال أنفسهم إما مشردين في خيام خارج بلادهم، أو مجبرين على الانخراط في أنشطة القتال غير الإنساني، سواء بالقيام في أنشطة عمل داخل ساحة الحرب، أو في الخدمة داخل مناطق إيواء الإرهابيين، ذلك لصغار الأطفال والفتيات، أما الأطفال بين (١٥-١٧) سنة فهم مجبرون على حمل السلاح والقتال.
السؤال إذن، هل عمل الطفل هو قدر محتوم؟
الجواب نعم.. إن عمل الطفل قدر محتوم في هذه الظروف الطاحنة من الفقر والحروب، وأوضاع التخلف الثقافي.. والتخلف الثقافي ذو أوجه اجتماعية اقتصادية متعددة. فإن هذا الكائن الصغير.. يوضع منذ البداية في حلقة الفقر والتخلف المفرغة حيث المجاعة والعذاب والوحشية. يولد الطفل في الفقر والجوع والتخلف الثقافي؛ حيث يشكل بيئة التنشئة. فيعطل التخلف عقل الطفل، ويفرض عليه رؤية بيئة التخلف والفقر والجوع ويستدخلها في عقله، كبيئة طبيعية.
السؤال الآن: ماذا عن واقع بيئة العنف والتخلف الثقافي، في بلاد المنطقة العربية التي ولّدت تلك الأعداد الكبيرة؟
تنوعت أشكال العنف، في الفقر والقهر والتخلف الثقافي، ابتداءً من العنف ضد الطفل، والعنف ضد المرأة، والعنف الأسري، وعنف الإرهاب في القتل، وتدمير الحياة للآمنين.. إلى آخر كل أشكال العنف الذي يعانيه كثير من الناس، في معظم بلادنا العربية. إلا أن أبشع أشكال العنف وأكثرها قسوة ومرارة، هو العنف المتمثل في عمل الأطفال، والعنف المتمثل في معاناة الأطفال من الإرهاب والفكر الأصولي الظلامي… الذي مارس العنف ضد الأطفال، النساء، وكبار السن، ونراه في أبشع صورة في مخيمات اللاجئين، بل وحشود اللاجئين المنكفئين على الأسلاك الشائكة على حدود الدول الغربية، وزاد الأمر كوارث وحشية العدوان الإسرائيلي في غزة والضفة وسوريا ولبنان، وكذلك ما يدور في كردفان والفاشر في السودان وغيرها من المناطق.
لقد جعلت هذه الأوضاع الأطفال يتعرضون إلى كل مظاهر العنف. ويرتبط العنف ضد الأطفال بشكل وثيق بالعنف ضد المرأة، فالمرأة هي الأم والحاضنة لهؤلاء الأطفال، وفضلًا عن ذلك هناك عنف ممارس ضد المرأة في عالمنا العربي بشكل عام مرتبط ببعض الأصول الثقافية والثقافة المجتمعية الأصولية الظلامية التي تبرر اضطهاد المرأة وتبرر ظلم المرأة، وتضع المرأة في مرتبة تالية للرجل، أو بالأحرى ملكية خاصة للرجل في معظم المجتمعات، وخاصة حينما نكون في قاع التخلف الثقافي والفقر والقهر في كثير من البلاد العربية. العنف ضد الطفل والعنف ضد المرأة متماثلان يؤثر كل منهما على الأخر,
وما السبيل للخروج من مشكلات التخلف إلى مسار تقدم الحضارة الكوكبية؟
الجواب مرة أخرى: تنمية ترتكز على ثقافة التنوير، وثقافة التقدم، والعدالة الاجتماعية ،والمواطنة.
أولًا: التعليم والتنوير ومكافحة عمل الأطفال
نشر التعليم في كل مكان، في القرى والنجوع والملاجئ والخيام، من خلال استراتيجيات متعددة، للتعليم المستمر، مدى الحياة، تعدد آلياته ووسائله، ومن خلال معلمين يعون رسالتهم في التعليم والتنوير وإنقاذ الإنسان، ومعتمدين على مناهج تبث الوعي والمعرفة العلمية وتقدم لهم صور التقدم في كل نواحي العالم. تعليم يضيء العقل ويوسع أفق الإدراك، من خلال نشر فصول ومدارس المجتمع البسيطة بمعناها العلمي ومدارس الفصل الواحد، بمناهج متقدمة ومعلم واعٍ. وتقدم تكنولوجيا التعليم والاتصال مسهل جداً من تحقيق وتنفيذ مهام نشر التعليم بالمفهوم الذي أشرنا إليه، علمًا بأنه قد تم تنفيذ مثل هذه المدارس والفصول، وسبق تجربتها في مشاريع تجريبية ناجحة في أكثر من بلد عربي، وخاصة في مصر. ولكنها للأسف لم تدم.. ولذلك على المنظمات العالمية الداعمة أن تضع الاستراتيجيات المنفذة التي تضمن الاستدامة الاستمرارية، وأن يشترك في ذلك كل مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمات العمل الدولية والإقليمية العربية.
إن النهج الإصلاحي في التنمية سوف يكون فعلًا مؤثرًا، وآمنًا، مع استخدام الاستراتيجيات الثورية التي نجحت في الخمسينيات والستينيات في نشر التنوير والتعليم.. في الصين وكوبا وتنزانيا وبلدان كثيرة في أمريكا اللاتينية، وكلها تجارب لم تعتمد على موارد مادية، بقدر ما اعتمدت على الإرادة ومشيئة والتغيير الثقافي والتعبئة الاجتماعية، إنها تجارب لا تنسى، ويجب أن نفيد منها وليكن شعارنا “نهج إصلاحي واستراتيجيات عمل ثورية”.
إن مؤسسات التعليم يجب أن تكون ركائز وقلاعًا لنشر التنوير بكل الآليات، مع استخدام مناهج العلوم الطبيعية والاجتماعية والسينما.. والفنون.. والموسيقى.. والاحتفالات الثقافية، والترفيهية الجاذبة.. للتعليم والتعلم وإعمال العقل.. حتى نفعل التنوير في كل أرجاء الفقر والتخلف.
ثانيـًا: تنمية البيئات المحلية لإعادة بناء الثقافة ومكافحة الفقر وعمل الأطفال:
يتم ذلك من خلال التوسع في مشروعات تنمية البيئة المحلية.. والصناعات الغذائية.. والصناعات الزراعية، والأعمال اليدويَّة.. والإنتاجية.
إن أي مشروع إنتاجي تنموي صغير أم كبير في القرى والنجوع والمناطق النائية، هو أولًا: مشروع تربوي Education Based Development، يفتح فرص العمل أمام الشباب والكبار على السواء.. ويربط العمل بالتعليم والتربية والثقافة لدى الأطفال كل حسب سنه.. مشروعات التنمية المحلية الحاضنة للتعليم هي مشروعات الهدف منها إنجاز توعية المواطنين وبناء ثقافة جديدة، تقوم على علاقات اجتماعية جديدة، تحقق التنوير والتقدم، وتقضي على البطالة وعمل الأطفال.
1. تساعد في القضاء على العزلة والإقصاء الاجتماعي للأفراد.
2. توفر الاستقلال الذاتي وتتيح فرص المشاركة في الإنتاج والعمل الجماعي.
3. تولد مناخًا اجتماعيًا حاضنًا لثقافة وقيم تحقق جودة الحياة للجميع صغاراً أو كباراً..
4. إن الانخراط في العمل من خلال مشاريع تنموية تهدف إلى التغيير الثقافي والاجتماعي، يؤدي إلى تغيير نمط الشخصية.. وتغيير لمحتوى وبنية عقول الأفراد الصغار والكبار على السواء.. وإكسابهم سلوكيات واتجاهات وأفكار الحداثة – في الإنجاز والعمل.. والإنتاج وتنمي في الناس منهج التفكير العملي والتماسك الاجتماعي
إن التنمية ليست هبات وعطايا للفقراء.. إن التنمية الحقة هي تمكين الفقراء كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً.. وتنمية قدراتهم على التفكير والعمل والإنتاج.. وتوفير فرص التعليم المستمر ومدى الحياة.. والعمل بأشكاله المختلفة.
لذلك نؤكد على أن :
ارتباط أنشطة الزراعة والتصنيع والصناعات الغذائية والصناعات الصغيرة.. بالتعليم ومدارس المجتمع والمدارس الصغيرة ومدارس الفصل الواحد ضفيرة تنموية واحدة لا تنفصل واحدة فيها عن الأخرى.
في هذه الحالة التنموية سيكون انخراط الأسرة بمَنْ فيها الأطفال في رعاية المشروع التنموي الإنتاجي، في تآزر مع التعليم، ومن ثم سنوفر خبرة تربوية تدمج واقع المشاركة والحياة في الخبرة. والخبرة هنا نقول عنها، خبرة مربية تنتج شخصيات جديدة ببُـنًى مفاهيمية جديدة.
هنا ترتبط أنسقة تحرير وخلاص الإنسان بأنسقة فعل جديدة، تنشأ من خلال المشاركة والعمل والتعليم. وإن فعالية أي تنمية إنما تصبح رهنًا بمدى مشاركة الناس في تغيير واقعهم الاجتماعي.
إن مشاركة الناس في العمل والحياة الاجتماعية، والتغيير، بوعي، وبنضال واعٍ، وفق رؤى فكرية هو ما يشكل التجانس الثقافي الجديد. فالثقافة، أي قيم وعادات وإدراكات الناس، لن تكون بمعزل عما يحدث في خضم المشاركة اليومية للناس في حياتهم اليومية. وفي المشاركة الواعية المنظمة، تبزغ معانٍ جديدة للحياة، بل وتبزغ معانٍ جديدة لمفردات حياتنا اليومية.. معانٍ جديدة.. للمأكل، والملبس، والحب، والزواج، والتعليم، والعمل.. والطفل، والمرأة، والديمقراطية، والعدل… إلخ معاني الحياة اليومية التي يتشكل بها ومن خلالها العقل الإنساني وتعيد صياغة شكل كل فرد، ومن خلال المشاركة الواعية المنتجة، لا تختفي فقط مفردات ومعاني الثقافة الموروثة القديمة، وعلاقات عدم المساواة، بل سيختفي أيضًا الإنسان المقهور، الإنسان المستعبد. الإنسان الذي لا يعي معنى الطفل، وحقه في الحياة، ولا معنى حق حرية المرأة وحق كبار السن، ولا معنى جريمة الأصولية المتدثرة بالدين في نشر التطرف وفكر الإرهاب.
وليس بالفلسفات المجردة، والتوصيات الاحتفالية والأصوات الابتهالية، يتم خلاص الإنسان وتحريره من سوار الاستغلال، بل يتم ذلك بالمشاركة الفاعلة الواعية في التعليم والعمل المنتج، برؤية واضحة نحو التنوير، وتحرير الإنسان وتنمية المجتمع.
ثالثًا: مفهوم شامل للعدالة الاجتماعية
إن الواقع الاجتماعي في المنطقة العربية، وكما هو موثق في كل التقارير العالمية يدعو إلى ضرورة وضع مسألة العدالة الاجتماعية في صميم كل أعمال التنمية. وذلك يتطلب منا العمل معًا على بناء مفهوم واضح لمعنى العدالة الاجتماعية، يعبر عن رؤية مستقبلية للتنوير والتقدم. مفهوم يعبر عن رؤية “حداثية” جديدة، تستند إلى التنوير، لمعنى العدالة الاجتماعية، وكيفية تنفيذها. وثمة أبعاد ثلاثة يجب التركيز عليها كأسس لمفهوم شامل للعدالة الاجتماعية.
والسؤال إذاً ما مفهوم العدالة الاجتماعية
“العدالة الاجتماعية مفهوم واسع، يتجاوز مجرد الفرص المتكافئة وإعادة التوزيع Equality، كما يتجاوز مفهوم الإنصاف Fairness، ومفهوم الحقوق الطبيعية Equity. العدالة الاجتماعية مفهوم شامل، وهي مسألة تكمن في بنية التعليم وبنية ثقافة المجتمع، كما تكمن بالقدر نفسه في بنية العلاقات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع”. العدالة الاجتماعية مفهوم متعدد الأبعاد نعرضه فيما يلي:
1- العدالة وعي – وهي أولى خطوات العدالة
إن الفقر والجهل والقهر، ليست مجرد بنى اجتماعية اقتصادية فقط، بل هي بالأساس بنى ثقافية، أطلق عليها باولو فريري “ثقافة الصمت” ثقافة العقل المتلقي.. ثقافة قبول الأمر الواقع.. الثقافة القدرية.. التي تقبل الأمر الواقع كأنه شيء معطى قدري. والقدرية قيمة محورية في التخلف الثقافي.. تستعير الحلول لمشاكلها من ثقافة ماضوية.. كل سؤال له إجابة لا شك فيها حتى أسئلة الموت والحياة.
2- العدالة إنصاف
وتتحقق العدالة بتعاون أعضاء المجتمع بحرية كاملة وفق مبادئ وقواعد عادلة، يتصرف على أساسها كل فرد بعدل وإنصاف ويُسهم في تدعيم المؤسسات والممارسات العادلة. ويقر “رولز” بوجود تفاوت على أساس أن أي تفاوت في الثروة أو السلطة لا يكون عادلًا إلا إذا كان يوفر، ولا سيما، لأولئك الذين هم أقل حظًا في المجتمع، امتيازات تحقق لهم الحق الطبيعي Equity في الحياة وفق مبدأ الإنصاف Fairness. أي أن شرط التفاوت هو زيادة تحسين وضعية الأقل حظًا، حتى لو كان فردًا واحدًا، دون أن يحدث ذلك تدهورًا في ظروف معيشة آخر، حتى ولو كان فردًا واحدًا (John Rawls 1971 and 1993). وأن تلتزم المؤسسات بمعايير عادلة وفق مبدأ الإنصاف.
3- العدالة تمكين وتنمية القدرات:
وثمة نهج ثالث ضروري يتكامل من النهجين السابقين وهو نهج تنمية القدرات، الذي ينظر إلى كل فرد في المجتمع وفق حالته المعاشة. فتنمية قدرة الفرد هي توسيع فرص الحرية له، بحسبانها توسيعًا لفرص قدرة الفرد على الاختيار. والقدرة هنا تعني استطاعة الفرد للقيام بعمل قيّم أو تحقيق إنجازات قيِّمَة للحياة. والقدرة مكنة وتمكين الفرد، فالقدرات هي الفرص أو الحريات المتاحة للفرد لتحقيق إنجاز يعدُّه قيمًا.
نهج القدرة في كل مجالات الحياة، ينطوي على ضرورة التمكين المعرفي (معارف ومهارات وقيم) الذي يتطلب بالضرورة إلى جانب القدرات المعرفية قدرات أخرى داعمة للفرد: الصحة والمسكن والغذاء والحماية الاجتماعية ومهارات العمل، إلى جانب جودة المؤسسات الداعمة للفرد وتهيئ له كل سبل وأنواع التمكين.
فالتنمية يجب أن تخلق واقعًا جديدًا.. يوفر فرص المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وهذه الفرص تحقق للفرد “حرية الاختيار” من بين فرص متعددة.
إلا أن حرية الفرد في الاختيار.. تتطلب القدرة على ممارسة الاختيار.. والقدرة: وعي، ومعرفة، ومهارة، وسلوكيات واتجاهات إيجابية. وبامتلاك القدرة يصبح الفرد ذاتًا حرة.. تمكن الفرد من ممارسة حرية الاختيار.
والعدالة بهذا المعنى مفهوم يرتبط ويترابط ويتداخل بمفهوم المواطنة، والسؤال إذن، ما معنى المواطنة في ارتباطها بالعدالة؟
المواطنة والعدالة
وهنا يأتي مفهوم المواطنة، وإرساء مفهوم التنمية المتكاملة، وإرساء العدالة الاجتماعية الشاملة، إنما هي مكنات رئيسية لبناء المواطنة. وبناء المواطنة للفرد أو الجماعة إنما يتطلب أن تلتزم مؤسسات الدولة بمجموعة من المبادئ: (١) المساواة والدمج الاجتماعي، (٢) وضع مستويات عالية التوقع لجميع الأطفال، (٣) تنمية العلاقات والتفاعلات الاجتماعية المتبادلة، (٤) المقاربة الشاملة والمنظومية في التمكين لجميع التلاميذ، في المعرفة والغذاء والصحة والدعم النفسي، (٥) التدخلات الفورية التي تضمن تحقيق الحماية الاجتماعية، (٦) تنمية القدرات المؤسسية من تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والمعامل التي تشجع على الممارسة والتجريب. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تعزيز إمكانات المؤسسات التربوية في المدن والنجوع بأماكن وأدوات الأنشطة الرياضية والصحية، وممارسة التجارب العلمية. والمناخ الاجتماعي الداعم للمواطنة وفي المؤسسات التربوية على اختلاف تنوعها كما عرضنا ذلك سابقاً، ينبغي أن توفر:
ونختم حديثنا بضرورة التأكيد على مفهوم كامل لبناء الإنسان أينما كان في مدينة، أو قرية أو نجع، أو صحاري. هذا المفهوم هو ثلاثية العدالة الاجتماعية، والشكل التالي يلخص ما عرضناه سابقاً من تعدد ونكامل أبعاد العدالة الاجتماعية والمواطنة.
وبناءاً على كل ما سبق يجدر الإشارة القوية إلى أنه لابد أن نعي أن شبكات التواصل الاجتماعي ليست هدفاً في ذاتها، وإنما ينبغي أن تكون جزءاً من نشاط ثقافي، واجتماعي، وسياسي، وتربوي.. وبحيث لا تكون منفصلة عن مؤسسات المجتمع المناظرة لهذه الأنشطة، وفي هذا الإطار ينبغي تهيئة مؤسسات المجتمع الوطنية للقدرة على التحرك السياسي والاجتماعي والثقافي والتأثير على مجمل ما يجري في المجتمعات.. تكوين كتل وطنية ديمقراطية تضم مجموعة من مؤسسات المجتمع القادرة على العمل. مع بعضها بجد وتضامن كتل سياسية political settlement
1- مضاعفة أعداد المنتمين
2- نقلها إلى القدرة على التحرك سياسياً واجتماعياً والتنسيق والتضامن
3- التحرك لتكوين كتلة تاريخية شعبية.
الختام
- وختاماً لكلمتي، مهما تنوعت الأرقام واختلفت، ومهما اتفقنا حول مفهوم ثلاثية العدالة الاجتماعية والمواطنة، فدعونا نتفق على ما لي:
المراقب المراقب موقع مصري شامل يصدر عن شركة القاهرة الاخبارية