لم يكن حوارًا عن المرض، بل عن الفقراء الذين يسكن الموت عندهم، وعن المقبرة التى بناها بيده،
كان يقلب فى هاتفه، يمر على الأسماء كمن يفتش فى الذاكرة توقف عند اسم صديق العمر، رفيق الغربة، شريك التعب، الذى استند عليه عشر سنوات كاملة، كان فيها نعم الصديق. معه احتمل الغربة، وبه استطاع أن ينهى مستحقاته فى الشركة، ولولا وقوفه إلى جواره لما كان ليحصل على حقه كاملًا.
مرت السنوات، وعاد كلٌّ إلى طريقه هو عاد ليستقر فى القاهرة، والصديق عاد بعد أعوام أخرى حين احتاجه أبناؤه. فى آخر خمس سنوات لم يلتقيا سوى ثلاث مرات، وكان الاتصال دائمًا يبدأ من رفيق الغربة؛ فى المناسبات، وحتى من دون مناسبة. كان السؤال منه ودًّا خالصًا.
فى آخر مرة ظهر الاسم على شاشة الهاتف، تسلل شعور خفيف بالذنب، فضغط للاتصال. لم يرد. كرر الاتصال. جاءه الصوت، لم يكن كما كان يعرفه؛ هذه المرة مختلف، من رد قال:
«يا أونكل هاشم.. بابا توفى من 18 شهرًا. كلمت حضرتك وفى نفس اللحظة لم ترد، بابا كلم حضرتك قبلها، وأخبرك بأنه سيدخل المستشفى ليُجرى قسطرة».
تساقطت دموع هاشم وهو يسمع كلمات ابن صديقه، الذى هوَّن عليه الغربة، وكان سببًا فى أن يعود بمال اشترى به شقة فاخرة. أنهى المكالمة ودموعه تتساقط.
قضى ليلة كاملة والندم صاحبٌ له، يصادقه شعور عدم الوفاء. فى الصباح قاد سيارته إلى المدافن، وأمام القبر طلب السماح عن تقصير تأخر كثيرًا.
وفى المساء وقف أمام أسرة صديقه، يعتذر لهم، ويعتذر لنفسه.
حكاية هاشم لا تخصه وحده. كلنا مذنبون مثله. كم من أحباب سكنوا ذاكرتنا وغابوا عن سؤالنا الحياة أيامها تمر أسرع مما نتصور. السعادة قريبة، لكنها تختبئ فى البساطة، لا فى رفاهية زائفة. اسألوا عمن تحبون قبل أن يتحول السؤال إلى ندم، وقبل أن تصبح المكالمة المتأخرة بلا صوت يرد.
تنبأت بموعد رحيلها؟
لم أر والدتى كما رأيتها مؤخرًا. خمسة عقود مرّت لم أرَ فيها والدتى منكسرة أمام المرض تتوجع فى صمت، قوية حتى وهى عليلة. كانت ترفض الذهاب إلى الأطباء، وإن ذهبت لا تشتكي، حتى يظن الطبيب أنها سليمة، فلا يطلب تحاليل. هى لا تحب الأطباء، ولا تحب أن تُعامل كمريضة.
ومع تقدم العمر لم تعد كما كانت فى الأمس القريب؛ كانت تخبز وتطهو وتنظف بيتًا مترامى الأطراف مع أذان الظهر تنتهى من كل شيء، وكأنها آلة لا تعرف التعب. أتذكر وأنا فى المرحلة الإعدادية، غبت عدة أيام عن المدرسة، راقبتها بعد انصراف أهل البيت تتحرك يمينًا ويسارًا، تصادق الوقت حتى لا يخاصمها.
لا أصدق عمرها المكتوب فى شهادة الميلاد؛ حتى سنوات قليلة كانت عافية تقاوم الزمن. تسعة عقود مرّت، لم يدخل جسدها مسكن ألم إلا مرات قليلة. كانت تؤمن أن الصبر دواء، وأن الدعاء يسبق كل علاج.
منذ ثلاثة أسابيع مرضت كان صوتها يفضح شدة الوجع، لكنها أصرت على الإنكار، رفضت نصائح أحفادها الأطباء، ولأنها لم تعد كما كانت، باغتها المرض فجأة؛ التهاب وجلطة، فصارت بلا حركة أو صوت، مجرد نفس يخرج من جسد أنهكه المرض.
قبل أن تنهزم أمام مرضها بأيام قليلة، أخبرت شقيقتى أنها ستغادر لبيتها الجديد يوم الاثنين، وأوصتها بترك مفتاح البيت الذى تقيم فيه لى عند منزل ابن عمتى المجاور لنا. ظنت شقيقتى أنها تقصد بيتنا الآخر الذى هجرناه منذ سنوات. انتقلت والدتى بالفعل إلى بيتها الجديد صباح الاثنين، كما أخبرت شقيقتي.
كان لى نصيب خاص من محبتها؛ ربما لأننى جئت بعد ثلاث شقيقات، فكنت «الغلام المنتظر»، فكتبت لى غلاوة لا تشبه غيرها.
بعد أيام المعاناة مع المرض الذى تمكن من جسد أنهكه الألم، كانت الوفاة، ودخلت قبرها فى الموعد الذى قالت عنه رحم الله أمى وكل أمواتنا.
وصية الأبنودي
رحم الله صديقى محسن محمود، الصحفى بـ«المصرى اليوم»، ورحم الخال عبد الرحمن الأبنودي. بين الاثنين حكاية غريبة؛ حكاية صحفى دخل غرفة شاعر، وخرج حاملًا وصية، ثم لحق بصاحبها إلى دار الحق بعد شهور قليلة.
عندما تدهورت صحة الأبنودي، أجرى محسن محمود معه حوارًا، اندهش من كلام الأبنودى الذى تحدث بهدوء يشبه الوداع، قائلًا:
«اعمل الحوار ولا تنشره إلا بعد رحيلي».
لم يكن حوارًا عن المرض، بل عن الفقراء الذين يسكن الموت عندهم، وعن المقبرة التى بناها بيده، ورفضه مراسم الوداع الزائف. الأبنودى تحدث والدمع يبرق فى عينيه، وأوصى أن يُدفن فى الضبعية، وأن يكون العزاء بسيطًا.
خرج محسن من اللقاء مهمومًا بما سمع. نُشر الحوار بعد رحيل الخال، كأن الأبنودى كتب كلمته الأخيرة بلسان صحفي. المفارقة أن محسن نفسه لم يطل به العمر؛ بعد شهور قليلة لحق به، تاركًا وراءه حوارًا صار وثيقة.
مليونيرة المعادي
لا أدرى سر استدعاء الذاكرة لجريمة «مليونيرة المعادي» التى مر على وقوعها عشر سنوات. انفردت «أخبار الحوادث» بتفاصيلها حينما كنت أتولى رئاسة التحرير. تذكرت الجريمة ربما لأننى تذكرت زميلى العزيز ضياء جميل، أول من أبلغنى به، كنا الإصدار الوحيد الذى نشر صور القتيلة عبر مراحل مختلفة من حياتها. وبعد النشر كافأته مكافأة تليق بجهده؛ فهو واحد من أنشط محررى أخبار الحوادث.
القتيلة سيدة أعمال، تحولت جريمتها لقضية رأى عام. تزوجت من ثري، لكنها لم تُرزق بأطفال، ومع الوقت دب الخلاف وانتهى الزواج، وكرّست حياتها للعمل، فأسست شركة استثمار عقاري، وكانت تقيم بمفردها فى فيلا دوبلكس ببرج شهير.
فور تلقى قسم شرطة المعادى بلاغًا من حارس البرج، كان التحرك لفك لغز الجريمة، وتم حصر المشتبه فيهم، أولهم طليقها، لكن التحقيق أثبت براءته.
نجحت التحريات فى التوصل إلى القاتل؛ شاب فى العقد الثالث يعمل نقاشًا، تعرفت عليه عبر «فيسبوك»، وطلبت منه الحضور لإجراء تعديلات بمسكنها. أثناء وجوده معها زيّن له الشيطان جريمته، فخطط للاعتداء عليها وسرقتها، ونفذ الجريمة بعد ذلك أمسك بهاتفها وأرسل رسائل استغاثة لمحاميها وأخرى لطليقها لإبعاد الشبهة عنه، ثم فر هاربًا، لكنه لم يتوقع القبض عليه بعد كشف الكاميرات ومحادثات «فيسبوك» تورطه.
بعد نشر الموضوع، تقابلت مع أحد أفراد فريق البحث فى كشف الجريمة، وأخبرنى بمعلومة تخص طليق القتيلة؛ كانت قد تزوجته رسميًا منذ عدة أشهر، وورث كل شيء لأن الطلاق لم يقع قانونًا رغم طرده من الفيلا. وبعد ثبوت براءته، كان المزاح معه وهو يغادر القسم مع السلامة يا محظوظ.
حزن كروى
حالة من الحزن سيطرت على عشاق الساحرة المستديرة عقب إخفاق منتخبنا القومى فى الوصول إلى المباراة النهائية، بعد الهزيمة أمام السنغال، فى مباراة لم يظهر فيها منتخبنا بالصورة المرضية.
قبيل انطلاق البطولة، لم يكن حلم الفوز بها يراود عشاق الساحرة المستديرة، ارتفع الطموح بعد الفوز على جنوب إفريقيا.
وبعيدًا عن حملات التراشق والهجوم على حسام حسن، كلنا نعلم أن الفوز بالبطولة كان أمرًا مستبعدًا، لأننا لم نستعد لها بالأسلوب الأفضل.
كنا نتوقع الخروج، والحمد لله أننا لم نخرج بفضيحة، خاصة أن نتائج منتخبات الشباب فى نهائيات كأس العالم لم تكن جيدة.
الإخفاق قد يكون بداية تصحيح، بشرط أن نعرف موطن الخلل لا بد أن تفتح ملاعب مراكز الشباب للصغار، وأن تؤدى مدرسة الموهوبين دورها، وأن نهتم بالقاعدة من أسفل.
يجب أن تكون لدينا تجربة شبيهة بالدول التى حصدت النجاح، فتفوق المغرب لم يأتِ من قبيل الصدفة، جاء نتيجة تخطيط وفكر. علينا ترك مصير حسام حسن لاتحاد الكرة، مع الاعتراف بأنه لم يكن موفقًا فى تصريحاته، حفظ الله مصر.
_____________________
نقلا عن الأخبار